ارتفاع أسعار الغاز يعيد تشكيل منظومة الأسمدة الزراعية المدعمة ويغير أولويات الدعم

تشهد منظومة الأسمدة الزراعية في مصر مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة، بعد أن دفعت الزيادة الكبيرة في أسعار الغاز الطبيعي عالميًا الحكومة إلى مراجعة آليات توزيع الدعم وتوجيهه نحو المحاصيل الاستراتيجية الأكثر ارتباطًا بالأمن الغذائي. ويأتي هذا التوجه في ظل ارتفاع تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية، التي يعتمد تصنيعها بصورة رئيسية على الغاز الطبيعي، ما فرض ضغوطًا مالية متزايدة على الدولة وأعاد رسم خريطة الاستفادة من منظومة الدعم.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن أسعار الغاز الطبيعي العالمية كانت تدور قبل التوترات الإقليمية الأخيرة حول 8.5 دولار، بينما كانت مصانع الأسمدة في مصر تحصل عليه بسعر 5.5 دولار لإنتاج الأسمدة المدعمة المخصصة للمزارعين عبر الجمعيات التعاونية الزراعية. إلا أن ارتفاع السعر العالمي إلى نحو 20 دولارًا أدى إلى زيادة ملحوظة في تكلفة الإنتاج، الأمر الذي استدعى إعادة تقييم منظومة الدعم بما يضمن استمرارها للمحاصيل ذات الأولوية.
وتعكس هذه الإجراءات توجهًا يوازن بين الحفاظ على استدامة الدعم وترشيد الإنفاق، مع استمرار توفير احتياجات المحاصيل التي تمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في البلاد.
ارتفاع أسعار الغاز يرفع تكلفة الإنتاج ويغير أولويات الدعم
يشكل الغاز الطبيعي العنصر الأكثر تأثيرًا في صناعة الأسمدة النيتروجينية، إذ يمثل نحو 70% من إجمالي تكلفة الإنتاج، كما يعد المكون الأساسي المستخدم في تصنيع عنصر النيتروجين بنسبة تصل إلى 100%. ولذلك فإن أي تغير في أسعاره ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة إنتاج الأسمدة، سواء للمصانع أو للدولة التي تتحمل جانبًا كبيرًا من تكلفة الدعم.

وفي ضوء هذه المتغيرات، أعادت وزارة الزراعة تقييم آليات توزيع الأسمدة المدعمة، وقررت قصر صرف الأسمدة النيتروجينية المدعمة على المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح والأرز والذرة، باعتبارها الأكثر ارتباطًا بتحقيق الأمن الغذائي.
وفي المقابل، تم وقف صرف الأسمدة المدعمة لمحاصيل الفاكهة والموالح وبنجر السكر، مع تقليص الحصص المخصصة لمحصول قصب السكر، في خطوة تستهدف توجيه الموارد المتاحة إلى القطاعات الزراعية الأكثر احتياجًا وأهمية.
ورغم هذه التعديلات، تواصل الدولة توفير الأسمدة النيتروجينية المدعمة للمحاصيل المستحقة من خلال الجمعيات التعاونية الزراعية، بأسعار تتراوح بين 285 و290 جنيهًا للشيكارة، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المزارعين الذين يزرعون المحاصيل الاستراتيجية.
توفير بدائل بأسعار تنافسية لتخفيف الأعباء عن المزارعين
حرصًا على الحد من تأثير تقليص الدعم على بعض المزارعين، قررت وزارة الزراعة إتاحة الأسمدة الحرة داخل الجمعيات التعاونية الزراعية بأسعار تتراوح بين 1150 و1300 جنيه للشيكارة، وهي أسعار تقل بصورة كبيرة عن مستويات السوق الحرة التي تصل إلى نحو 2000 جنيه للشيكارة.
ويهدف هذا الإجراء إلى توفير بديل مناسب للمزارعين الذين خرجت محاصيلهم من منظومة الدعم، بما يضمن استمرار حصولهم على احتياجاتهم من الأسمدة بأسعار أقل من السوق التجارية، ويحد من ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي.
وتشير البيانات إلى أن الرقعة الزراعية في مصر تبلغ نحو 10.5 مليون فدان، وهو ما يتطلب إدارة دقيقة لمنظومة توزيع الأسمدة، بما يحقق العدالة في التوزيع ويحافظ على استدامة الموارد المتاحة، خاصة في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا.

كما تعتمد الدولة على شبكة الجمعيات التعاونية الزراعية باعتبارها القناة الرئيسية لتوزيع الأسمدة المدعمة والحرة، بما يسهم في وصولها إلى المزارعين بصورة منظمة ويحد من الممارسات الاحتكارية.
توقعات بإلغاء الدعم تدريجيًا بحلول عام 2030
من جانبه، أوضح حسين أبو صدام، نقيب عام الفلاحين، أن وزارة الزراعة اتخذت بالفعل إجراءات لإعادة توزيع الأسمدة النيتروجينية المدعمة، شملت وقف صرفها لمحاصيل الفاكهة والموالح وبنجر السكر في الأراضي القديمة، إلى جانب خفض حصة محصول قصب السكر من 13 شيكارة إلى 5 شكاير للفدان.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة يتمثل في ترشيد استخدام الأسمدة المدعمة وضمان استمرار وصولها إلى المحاصيل ذات الأولوية، وفي مقدمتها القمح والأرز والذرة، باعتبارها الركائز الأساسية للأمن الغذائي المصري.
وأضاف أن الدولة تحصل على نحو 37% من إنتاج مصانع الأسمدة النيتروجينية، وتعيد طرحها للمزارعين عبر الجمعيات التعاونية بأسعار مدعمة، في إطار منظومة تستهدف تحقيق التوازن بين دعم الإنتاج الزراعي والحفاظ على الموارد المالية.

وأوضح أن قطاع إنتاج الأسمدة النيتروجينية في مصر يضم سبعة مصانع، منها أربعة تابعة للقطاع الخاص وثلاثة مملوكة للدولة، وتحصل جميعها على الغاز الطبيعي بأسعار مدعومة لإنتاج الكميات المخصصة لمنظومة الدعم.
وتوقع نقيب الفلاحين أن تتجه الدولة نحو الإلغاء التدريجي لدعم الأسمدة الزراعية بحلول عام 2030، انسجامًا مع التوجهات البيئية العالمية، وعلى رأسها “الصفقة الخضراء الأوروبية”، التي تشجع على تقليل استخدام الأسمدة النيتروجينية والكيماوية، والتوسع في استخدام الأسمدة العضوية، إلى جانب تشديد المعايير البيئية المفروضة على الواردات الزراعية إلى دول الاتحاد الأوروبي. ويرى أن هذه المتغيرات ستفرض على القطاع الزراعي التكيف مع نماذج إنتاج أكثر استدامة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستويات الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي.



