حين يصبح الانضباط تهمة.. ماذا يحدث مع محافظ القليوبية؟
ما يحدث في القليوبية ومع محافظ القليوبية الدكتور المهندس حسام عبد الفتاح لم يعد مجرد جدل حول محافظ أو خلاف على قرار إداري، بل أصبح اختبارا حقيقيا لواحدة من أصعب معادلات الإدارة المحلية: هل تُدار المحافظة بمنطق الدولة والقانون والانضباط، أم بمنطق ردود الأفعال ومشاعر الجمهور؟
ربما يخطئ المحافظ في قرار، وربما يصيب في آخر، وهذا أمر طبيعي في أي تجربة إدارية، لكن اللافت أن مساحة الجدل حول أداء محافظ القليوبية تجاوزت أحيانا حدود التقييم الموضوعي للقرارات والنتائج، لتصل إلى الحكم على فلسفة الإدارة ذاتها.
محافظ القليوبية يسعى لمنظومة منضبطة
فالرجل، كما تبدو ملامح تجربته، يسعى إلى بناء منظومة تنفيذية أكثر انضباطا، وتحميل كل مسؤول حدود اختصاصاته ومسؤولياته، وربط الأداء بالنتائج، وعدم ترك الملفات الخدمية رهينة للمجاملات أو الحلول المؤقتة.
وهنا تحديدًا تبدأ الأزمة، فالإدارة الجادة لا يمكن أن تكون رهينة لردود الفعل، والمسؤول التنفيذي لا يستطيع أن يتخذ قراراته وفقًا لما يحظى بالقبول الشعبي في كل لحظة، الدولة لا تُدار باستطلاعات المزاج العام، والمؤسسات لا تُبنى بالعاطفة.
العاطفة قد تصنع تعاطفا، وقد تحشد الجمهور حول قضية أو شخص، لكنها لا تصنع جهازا إداريا قويا، ولا تضمن استدامة الخدمات، ولا تحقق نهضة حقيقية، النهضة تحتاج إلى قواعد واضحة، ومسؤوليات محددة، ومحاسبة عادلة، وقدرة على تنفيذ القرار حتى عندما لا يكون القرار هو الأكثر شعبية.

لكن في المقابل، فإن الانضباط الإداري لا يعني تجاهل الناس، كما أن تطبيق القانون لا يعفي المسؤول من ضرورة التواصل وشرح قراراته، فالمواطن من حقه أن يفهم لماذا اتُخذ القرار، وما أثره، ومن المسؤول عن تنفيذه، وكيف يمكن الاعتراض عليه بالطرق المشروعة.
ما هي صلاحيات محافظ القليوبية؟
ومن هنا تأتي أهمية الفصل بين صلاحيات المحافظ ومسؤوليات القيادات التنفيذية المختلفةـ فالمحافظ يقود الجهاز التنفيذي للمحافظة ويتابع أداءه، لكنه ليس بديلا عن رؤساء المدن والمراكز والأحياء أو مديري المديريات والجهات صاحبة الاختصاص. ولكل مسؤول نطاق قانوني وإداري ينبغي أن يعرفه وأن يتحمل تبعاته.
وإذا كانت هناك توجيهات واضحة من القيادة التنفيذية، فإن الأصل أن تُنفذ داخل الإطار القانوني، وأن يتحمل كل مسؤول مسؤوليته عن النتائج، بدلا من أن تتحول الاختلافات الإدارية إلى صراعات علنية أو معارك على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهنا أيضا يأتي دور الأحزاب والقوى السياسية والمجتمعية، فالمسؤولية المجتمعية للأحزاب لا ينبغي أن تختزل في تبني مطالب الجمهور أو الدخول في مواجهة مع المسؤول التنفيذي عند كل أزمة.
الحزب الذي يريد أن يكون شريكا حقيقيا في بناء الدولة، عليه أن ينقل مطالب المواطنين، ويفتح قنوات للحوار، ويقترح حلولا، ويمارس دوره الرقابي بمسؤولية، دون أن يتحول الخلاف في الرأي إلى خصومة شخصية.
المحافظ، بطبيعة الحال، ليس فوق التقييم والمساءلة، ومن حق المواطنين والقوى السياسية والإعلام أن يناقشوا أداءه، وأن ينتقدوا القرارات التي يرون أنها تحتاج إلى مراجعة، لكن التقييم الجاد يجب أن يستند إلى الوقائع، والاختصاصات، والنتائج، لا إلى الانطباعات أو المشاعر أو حجم الضجيج على منصات التواصل.

والسؤال الأهم هنا ليس: لماذا يتعرض محافظ القليوبية لكل هذا الهجوم؟
بل: هل نحن أمام أخطاء إدارية حقيقية تستحق التصحيح، أم أمام مقاومة طبيعية لقواعد انضباط جديدة تصطدم بعادات ومصالح وتوقعات اعتاد عليها البعض؟
هذه هي النقطة التي يجب أن نناقشها بعيدا عن الأشخاص.
القليوبية وأنا أحد أبنائها لا تحتاج إلى محافظ يبحث عن الشعبية على حساب القرار، كما أنها لا تحتاج إلى مسؤول يختبئ خلف لغة الانضباط ويتجاهل نبض الشارع، ما تحتاجه هو المعادلة الأصعب: محافظ قوي في اتخاذ القرار، عادل في المحاسبة، واضح في التواصل، وجهاز تنفيذي يعرف مسؤولياته وحدود اختصاصه.
وفي المقابل، تحتاج المحافظة إلى مواطن يعرف الفرق بين حقه في المطالبة وحق الدولة في تطبيق القانون، وإلى أحزاب تمارس دورها كجسر بين المجتمع ومؤسسات الدولة، لا كطرف في كل معركة.
في النهاية، العاطفة قد تكسب معركة رأي، لكنها لا تبني مؤسسة، والضجيج قد يصنع ترندا، لكنه لا يصنع تنمية.
أما بناء محافظة قوية، فيحتاج إلى ما هو أبعد من التصفيق أو الهجوم: قانون يُطبق، ومسؤول يُحاسب، ومواطن يُسمع، ومؤسسة تعمل.
وهنا فقط يمكن أن تتحول القليوبية من ساحة للجدل حول الأشخاص إلى نموذج حقيقي في إدارة الملفات وصناعة النتائج.
بقلم: الكاتب الصحفي أيمن صالح
Bureau Assistant Editor in Chief



