المغرب يواجه تحديات الحوسبة الكمومية ويبحث عن استراتيجية لحماية السيادة الرقمية

في الوقت الذي يتركز فيه الاهتمام العالمي على فرص ومخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي، تبرز تقنية أخرى قد تعيد رسم خريطة القوة الدولية خلال السنوات المقبلة، وهي الحوسبة الكمومية، التي تمتلك قدرات حسابية هائلة يمكن أن تحدث تحولات كبيرة في مجالات العلوم والاقتصاد والأمن.
ولا تقتصر أهمية هذه التقنية على إمكاناتها العلمية، إذ تثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الأمن السيبراني، بسبب قدرتها المحتملة على تهديد بعض أنظمة التشفير التقليدية التي تعتمد عليها الحكومات والمؤسسات المالية وشركات الاتصالات لحماية المعلومات الحساسة.
وبالنسبة إلى المغرب، يفرض هذا التطور التفكير مبكرًا في حماية البيانات السيادية والبنية التحتية الرقمية، خصوصًا مع توسع الاعتماد على التكنولوجيا والأنظمة الإلكترونية في مختلف القطاعات.

المغرب أمام خطر «احصد الآن وفك التشفير لاحقًا»
يواجه المغرب، مثل العديد من الدول، تحديًا جديدًا يرتبط بما يعرف باستراتيجية «احصد الآن وفك التشفير لاحقًا» أو SNDL، والتي تقوم على اعتراض وتخزين البيانات المشفرة في الوقت الحالي، ثم محاولة فك تشفيرها مستقبلًا عند توفر تقنيات كمومية أكثر تطورًا.
وتكمن خطورة هذه الاستراتيجية في أن البيانات التي تبدو محمية اليوم قد تفقد مستوى الحماية نفسه في المستقبل. وقد تشمل المعلومات التي يمكن استهدافها المراسلات الحكومية والدبلوماسية، والبيانات المالية، والمعلومات المتعلقة بالدفاع والأمن، إضافة إلى البيانات الشخصية للمواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن الخطر المرتبط بالحوسبة الكمومية لا ينبغي التعامل معه باعتباره تهديدًا بعيدًا، إذ إن البيانات الحساسة التي يتم تبادلها حاليًا قد تمتلك قيمة استراتيجية لسنوات طويلة.

| المجال | التأثير المحتمل للحوسبة الكمومية |
|---|---|
| الأمن القومي | تهديد سرية المعلومات الحساسة |
| الاتصالات | استهداف أنظمة التشفير التقليدية |
| القطاع المالي | مخاطر على حماية المعاملات والبيانات |
| البيانات الشخصية | احتمال كشف معلومات مخزنة ومشفرة |
| المؤسسات الحكومية | الحاجة إلى تشفير أكثر مقاومة للتهديدات الكمومية |
المغرب يحتاج إلى تعزيز «المرونة الكمومية» في التشريعات
حقق المغرب تقدمًا في مجال الأمن الرقمي والجاهزية السيبرانية، مع جهود المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، إلا أن التطور المتوقع في الحوسبة الكمومية يفرض مراجعة مستمرة للمنظومة القانونية والتقنية.
ويبرز القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني ضمن الأطر القانونية المرتبطة بحماية نظم المعلومات، إلا أن المرحلة المقبلة قد تتطلب تحديثًا استباقيًا يأخذ في الاعتبار مفهوم «المرونة الكمومية» أو Quantum Agility.
ويقصد بذلك قدرة المؤسسات على الانتقال من أنظمة تشفير إلى أخرى أكثر أمانًا دون تعطيل الخدمات أو إحداث اضطرابات كبيرة في البنية الرقمية. وتكتسب هذه المرونة أهمية خاصة في القطاعات الحيوية، مثل المؤسسات المالية والاتصالات والخدمات الحكومية والبنية التحتية الرقمية.

وتحتاج عملية الانتقال إلى تقنيات أكثر مقاومة للحوسبة الكمومية إلى وقت طويل، بداية من تقييم الأنظمة الحالية وصولًا إلى اختبار البدائل وتحديث البنية التحتية وتدريب المتخصصين، ولذلك فإن التحرك المبكر يقلل من المخاطر المستقبلية.
المغرب مطالب ببناء «درع كمومي» لحماية السيادة الرقمية
يحتاج المغرب إلى استراتيجية وطنية متكاملة للاستعداد لعصر ما بعد الكم، تقوم على مجموعة من المسارات التقنية والقانونية والأمنية، بهدف حماية البيانات السيادية وضمان استمرار الخدمات الرقمية الحيوية.
ويأتي التشفير ما بعد الكمومي، أو PQC، في مقدمة الحلول المطروحة، من خلال الانتقال التدريجي إلى خوارزميات مصممة لمقاومة الهجمات التي قد تنفذها الحواسب الكمومية مستقبلًا، مع إعطاء الأولوية للمؤسسات السيادية والقطاع المالي وشركات الاتصالات.
كما يتطلب تعزيز الأمن الرقمي الاستثمار في الكفاءات الوطنية والبحث العلمي، بما يسمح بتطوير حلول مناسبة للبيئة الرقمية المغربية، وعدم الاعتماد بصورة كاملة على تقنيات خارجية دون دراسة مخاطرها ومتطلبات السيادة الرقمية.

وتبرز كذلك أهمية حماية مراكز البيانات ومحطات إنزال الكابلات البحرية، باعتبارها مكونات أساسية في البنية التحتية الرقمية، مع الجمع بين الحماية التقنية والقانونية والفيزيائية لمنع عمليات اعتراض البيانات أو الوصول غير المصرح به إليها.
وفي ظل التحول نحو عصر ما بعد الكم، أصبحت السيادة الوطنية مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرة الدول على حماية بياناتها وأرشيفها الرقمي واتصالاتها الحساسة. ومن ثم، فإن تحرك المغرب مبكرًا نحو تعزيز المرونة الكمومية وتطوير التشفير ما بعد الكمومي يمكن أن يمثل خطوة أساسية لحماية الأمن الرقمي ومصالح الدولة خلال السنوات المقبلة.



