حزب الجبهة الوطنية والصعيد.. تساؤلات مشروعة حول الغائب في خريطة التعيينات
يواصل حزب الجبهة الوطنية والصعيد حضورهما في النقاش السياسي خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع الخطوات التنظيمية المتسارعة التي يتخذها الحزب منذ تأسيسه، والتي تعكس رغبة واضحة في بناء كيان سياسي قوي قادر على المنافسة والحضور في المشهد الحزبي المصري.
وفي هذا السياق، أصدر الحزب القرار رقم (4) لسنة 2026 الخاص باستكمال البناء التنظيمي وتكليف عدد من القيادات بمهام أمناء أقاليم، وهي خطوة تبدو منطقية في إطار استكمال الهيكل التنظيمي وتعزيز العمل الحزبي بالمحافظات.
لكن رغم أهمية القرار وما حمله من رسائل تتعلق بالانتشار والتنظيم، فإن المتابعين للشأن السياسي توقفوا أمام نقطة لافتة تتمثل في غياب محافظات الصعيد بالكامل عن خريطة الأقاليم التي تضمنها القرار، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات سياسية وشعبية مشروعة حول أسباب هذا الغياب وتوقيته، خاصة أن الصعيد يمثل أحد أهم الأقاليم السكانية والسياسية في مصر.
خريطة تنظيمية واسعة.. لكن الصعيد خارج المشهد
القرار نص على تعيين النائب محمد مرزوق القصير أمينًا لإقليم وسط الدلتا، المشرف على محافظات الغربية والمنوفية وكفر الشيخ، كما تم تعيين النائب سليمان وهدان أمينًا لإقليم القناة المشرف على الإسماعيلية وبورسعيد والسويس، بالإضافة إلى تعيين النائب أحمد فؤاد أباظة أمينًا لإقليم الوجه البحري وشرق الدلتا المشرف على الدقهلية والشرقية ودمياط.
وبقراءة سريعة للقرار، يتضح أنه ركز على أقاليم الدلتا والقناة وشرق الوجه البحري، بينما لم يتطرق إلى أي إقليم يضم محافظات الصعيد سواء في شماله أو وسطه أو جنوبه. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد تفصيلة تنظيمية، بل بمساحة جغرافية وسكانية واسعة تضم ملايين المواطنين وتمثل كتلة انتخابية مؤثرة في أي استحقاق سياسي أو انتخابي.
ومن الطبيعي أن يثير هذا الغياب تساؤلات بين أبناء الصعيد والمتابعين للحياة الحزبية، خصوصًا أن الحزب يقدم نفسه باعتباره مشروعًا سياسيًا وطنيًا يستهدف التواجد في مختلف أنحاء الجمهورية.
لماذا يثير القرار التساؤلات؟
لا يمكن الجزم بالأسباب التي دفعت الحزب إلى تأجيل الإعلان عن أقاليم الصعيد أو عدم تضمينها في القرار الحالي، فقد يكون الأمر مرتبطًا باستكمال مشاورات داخلية أو ترتيبات تنظيمية لم تنته بعد. كما قد يكون الحزب بصدد إصدار قرارات لاحقة تشمل محافظات الجنوب ضمن خطة مرحلية للبناء التنظيمي.

لكن في المقابل، فإن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال ما يقال، بل أيضًا من خلال ما لا يقال. وعندما تصدر قرارات تشمل عدة أقاليم رئيسية وتغيب عنها محافظات الصعيد بالكامل، يصبح من الطبيعي أن يطرح الرأي العام أسئلة حول مدى حضور هذه المحافظات في أولويات الحزب وخططه المستقبلية.

وتزداد أهمية هذه التساؤلات إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الأحزاب السياسية في مصر تسعى دائمًا إلى بناء قواعد جماهيرية واسعة ومتوازنة جغرافيًا. كما أن الصعيد يمتلك خصوصية سياسية واجتماعية تجعله أحد المفاتيح الأساسية لأي مشروع حزبي يسعى إلى الانتشار الوطني الحقيقي.
من هنا، فإن حالة النقاش التي أثارها القرار لا تعكس بالضرورة انتقادًا للحزب بقدر ما تعبر عن رغبة في فهم الصورة الكاملة ومعرفة موقع الصعيد داخل الخطة التنظيمية للحزب خلال المرحلة المقبلة.

حزب الجبهة الوطنية والصعيد.. فرصة لتأكيد الحضور الوطني
الحقيقة أن حزب الجبهة الوطنية والصعيد يمكن أن يشكلا معًا عنوانًا مهمًا في المرحلة المقبلة إذا ما نجح الحزب في استكمال بنيته التنظيمية داخل محافظات الجنوب وإعطاء هذه المحافظات ما تستحقه من اهتمام وتمثيل.
فالحزب ما زال في مرحلة البناء، وقد أثبت خلال فترة قصيرة قدرة على استقطاب شخصيات وقيادات ذات ثقل سياسي وبرلماني، وهو ما جعله محل متابعة واهتمام من مختلف الأوساط السياسية. كما أن سرعة الانتشار التنظيمي التي حققها تعكس وجود رؤية جادة لبناء كيان حزبي قادر على المنافسة.
لكن في الوقت نفسه، فإن قوة أي حزب سياسي لا تقاس فقط بحجم الأسماء التي يضمها، وإنما أيضًا بقدرته على تحقيق التوازن الجغرافي وتمثيل مختلف المناطق والفئات داخل الدولة. والصعيد، بتاريخيه السياسي والوطني، يمثل جزءًا أصيلًا من هذه المعادلة.
لذلك ربما تكون أفضل رسالة يمكن أن يوجهها الحزب خلال الفترة المقبلة هي استكمال هيكله التنظيمي في محافظات الصعيد بصورة واضحة ومعلنة، بما يبدد أي تساؤلات ويؤكد أن المشروع الحزبي يستهدف جميع المصريين دون استثناء.
ويبقى من المبكر إصدار أحكام نهائية على القرار أو تفسيره باعتباره توجهًا دائمًا، لكن المؤكد أن غياب محافظات الصعيد عن أول تعيينات أمناء الأقاليم أثار نقاشًا يستحق المتابعة. فكلما كان الحزب أكثر وضوحًا في رؤيته وخططه تجاه محافظات الجنوب، ازدادت قدرته على تعزيز حضوره الوطني وترسيخ صورته كحزب يسعى إلى تمثيل مصر بكل أقاليمها وتنوعها الجغرافي والسكاني.
بقلم الكاتب الصحفي : أيمن صالح



