اخبار العالم

من فكرة إلى نوبل الفيزياء.. قصة 30 عامًا وراء التلسكوب الجليدي

حَوَّل البلجيكي فرانسيس هالزن، البالغ من العمر 82 عاما، كيلومترا مكعبا من جليد القطب الجنوبي إلى أكبر كاشف نيوترينو في العالم، ونال اليوم الثلاثاء جائزة نوبل الفيزياء لعام 2026 عن سعيه إلى “رسل شبحية” من الكون البعيد.
في أعماق الجليد عند القطب الجنوبي يرقد كاشف بحجم كيلومتر مكعب واحد، صُمّم لالتقاط بعض من أكثر الجسيمات مراوغة في الكون. يوم الثلاثاء فاز الرجل الذي ابتكر هذه الفكرة بجائزة نوبل في الفيزياء.

 من فكرة إلى نوبل الفيزياء.. قصة 30 عامًا وراء التلسكوب الجليدي
من فكرة إلى نوبل الفيزياء.. قصة 30 عامًا وراء التلسكوب الجليدي

وقررت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 للعالم فرانسيس هالزن “تقديراً لمساهماته الحاسمة في مرصد “آيس كيوب” (Ice Cube) للنيوترينو واكتشاف نيوترينوات عالية الطاقة ذات أصل فلكي”.

. جائزة نوبل الفيزياء 2026 تذهب إلى فرانسيس هالزن صائد “أشباح الكون”

إنشاء مرصد “آيس كيوب” للنيوترينو

أدرك فرانسيس هالزن أن الجليد في القطب الجنوبي يمكن استخدامه لتتبع جسيمات تُعرف بأ سم النيوترينوات. وقد كانت رؤيته وقيادته العلمية ركيزة أساسية لإنشاء مرصد “آيس كيوب” للنيوترينو، وهو عبارة عن كتلة جليدية بحجم كيلومتر مكعب واحد ومجهزة بمستشعرات للضوء. وباستخدام هذا المرصد، يستطيع الباحثون رصد النيوترينوات الناتجة عن عمليات هائلة الطاقة في الكون البعيد.

تنتشر النيوترينوات في كل مكان، لكنها لا تكشف عن وجودها بسهولة؛ فهي تخترق الأرض وأجسامنا دون أن نشعر بها. وفي حالات نادرة للغاية، يتفاعل نيوترينو واحد مع نواة ذرية، مما يتيح لمن يمتلك المعدات المناسبة اكتشافها.

 من فكرة إلى نوبل الفيزياء.. قصة 30 عامًا وراء التلسكوب الجليدي
من فكرة إلى نوبل الفيزياء.. قصة 30 عامًا وراء التلسكوب الجليدي

تتولد النيوترينوات فائقة الطاقة في البيئات نفسها التي تنشأ فيها أنواع أخرى من الجسيمات. ولكن، وعلى عكس الجسيمات الأخرى، تصلنا النيوترينوات دون أن تغير اتجاهها أو تفقد طاقتها؛ وهذا يعني أنها قادرة على توفير معلومات لا يمكن الحصول عليها بأي وسيلة أخرى.

البداية كانت مع تجربة صغيرة في الجليد

في عام 1991، نشر هالزن وزملاؤه نتائج أولية لمشروع AMANDA، الذي اختبر إمكانية اكتشاف النيوترينوات باستخدام الجليد.

كانت الفكرة تقوم على وضع حساسات ضوئية داخل الجليد العميق، ثم انتظار الومضات التي تنتج عندما يتفاعل نيوترينو نادرًا مع المادة.

وأظهرت النتائج أن الجليد يمكن أن يكون وسطا مناسبا لبناء مرصد أكبر بكثير، لكن التجربة كشفت في الوقت نفسه مشكلة مهمة؛ الجليد على أعماق أقل من نحو 1500 متر كان يحتوي على فقاعات هواء تؤثر في انتقال الضوء، ما دفع العلماء إلى التوجه نحو الطبقات الأعمق والأكثر صفاء.

لماذا كان القطب الجنوبي هو الحل؟

احتاج العلماء إلى كمية هائلة من المادة لأن معظم النيوترينوات تمر عبر أجهزة الكشف دون أن تتفاعل معها. ولذلك فإن بناء مرصد صغير لم يكن كافيا لتحقيق فرص رصد مناسبة. يوفر جليد القطب الجنوبي مساحة طبيعية ضخمة، كما أنه شديد النقاء والظلام والاستقرار في أعماقه، وهي خصائص ضرورية لالتقاط الإشارات الضوئية الضعيفة الناتجة عن تفاعلات النيوترينوات. وكانت الفكرة المطروحة أن يصبح الجليد نفسه جزءا من جهاز الرصد، بدلا من بناء خزان ضخم من الماء أو مادة أخرى.

 من فكرة إلى نوبل الفيزياء.. قصة 30 عامًا وراء التلسكوب الجليدي
من فكرة إلى نوبل الفيزياء.. قصة 30 عامًا وراء التلسكوب الجليدي

تجربة AMANDA أثبتت أن الفكرة قابلة للتنفيذ

واصل الباحثون تطوير AMANDA خلال التسعينيات، وحفروا ثقوبا عميقة في الجليد باستخدام الماء الساخن، ثم أنزلوا داخلها سلاسل من الحساسات الضوئية. وفي عام 2001 نشر المشروع أول خريطة لسماء النيوترينوات، بعد أن سجلت الأجهزة مئات النيوترينوات عالية الطاقة خلال فترة رصد محددة. لم تكن الخريطة مجرد نتيجة تجريبية، بل قدمت دليلا عمليا على إمكانية بناء تلسكوب نيوترينو داخل الجليد، ومهدت الطريق للمشروع الأكبر الذي سيحمل لاحقا اسم Ice Cube.

في 1999 ظهرت فكرة «الكيلومتر المكعب»

بعد نجاح التجارب الأولى، انتقل التفكير إلى مشروع أكبر بكثير. وفي نوفمبر 1999، قدم تعاون Ice Cube مقترحا لبناء مرصد نيوترينو يمتد على حجم كيلومتر مكعب في القطب الجنوبي، وكان فرانسيس هالزن الباحث الرئيسي للمشروع. الفكرة لم تكن مجرد زيادة عدد الحساسات، بل بناء أداة تستطيع التعامل مع ندرة تفاعل النيوترينوات، بحيث تصبح المساحة الهائلة للجليد جزءا من استراتيجية الرصد نفسها.

سبع سنوات من الحفر تحت الجليد

بدأ بناء Ice Cube فعليا في 2004، واستمرت أعمال الحفر والتركيب خلال سبعة مواسم صيفية في القطب الجنوبي. كانت الفرق تحفر ثقوبا بقطر نحو 60 سنتيمترا حتى عمق يقارب 2450 مترا، ثم تنزل الحساسات بسرعة قبل أن يعاود الماء التجمد داخل الحفر. وفي ديسمبر 2010، جرى إنزال آخر واحدة من أصل 86 سلسلة، لتكتمل البنية الرئيسية للمرصد بعد سنوات من العمل في واحدة من أصعب البيئات على الأرض.

5160 حساسا تراقب ومضات لا تكاد تُرى

يضم الجزء المدفون من Ice Cube نحو 5160 وحدة بصرية رقمية موزعة داخل 86 ثقبا، وتمتد المنظومة عبر نحو كيلومتر مكعب من الجليد وعلى أعماق تقارب 1450 إلى 2450 مترا. ولا ترى هذه الحساسات النيوترينو نفسه؛ فعندما يتفاعل الجسيم مع الجليد ينتج جسيمات مشحونة تولد ضوء شيرينكوف، وتلتقط الوحدات البصرية هذا الضوء وتسجل توقيته وشدته، ثم تعيد أجهزة الحاسوب بناء اتجاه الجسيم وطاقته.

2013.. اللحظة التي تغيرت فيها القصة

بعد اكتمال المرصد، جاءت اللحظة التي أثبتت قيمة المشروع على نطاق عالمي. ففي 2013 أعلن Ice Cube اكتشاف نيوترينوات عالية الطاقة ذات منشأ خارج المجرة، لتتحول الفكرة التي بدأت كتجربة في الجليد إلى أداة جديدة لدراسة الكون. وأصبح بالإمكان استخدام النيوترينوات كرسل تحمل معلومات عن مناطق بعيدة وعنيفة لا يمكن فهمها بالاعتماد على الضوء وحده.

 

 

دعاء عبد العزيز

محررة في موقع المنصة 360 أمتلك خبرة مهنية ممتدة صقلتها من خلال العمل في كبرى المؤسسات الصحفية المصرية، وعلى رأسها مؤسسة روز اليوسف، جريدة الأسبوع، ومنصة مصر تايمز. حاصلة على ليسانس الآداب قسم اللغة الفرنسية، وهو ما منحني رؤية ثقافية واسعة انعكست بشكل مباشر على أسلوبي التحريري، وأتخصص حالياً في صياغة التقارير الإخبارية وتطوير المحتوى الرقمي بما يتوافق مع معايير الصحافة الحديثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى