فرنسا على صفيح ساخن.. احتجاجات حاشدة ومواجهات عنيفة ومئات الموقوفين قبل الانتخابات الرئاسية

شهدت فرنسا موجة احتجاجات واسعة تخللتها مواجهات عنيفة مع قوات الأمن وأعمال تخريب ونهب في عدد من المدن الكبرى، وسط تصاعد الغضب الشعبي بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية والمطالب المتعلقة بتحسين ظروف التعليم، وذلك قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
وأعلنت الكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية «CGT» مشاركة أكثر من 500 ألف شخص في الاحتجاجات، بينما كشفت وزارة الداخلية الفرنسية عن توقيف 272 شخصًا في مختلف أنحاء البلاد، في حصيلة أولية عكست حجم التوتر الذي شهدته الشوارع الفرنسية.

وامتدت المظاهرات إلى باريس ومرسيليا وليون وليل وبوردو وتولوز ومدن أخرى، بمشاركة طلاب وتلاميذ ونقابيين وناشطين بيئيين وأعضاء من حركة «السترات الصفراء»، وسط تفاوت واضح بين المسيرات السلمية والتجمعات التي تحولت إلى مواجهات وأعمال عنف.
فرنسا تشهد احتجاجات واسعة وشعارات تستحضر الثورة الفرنسية
عادت شعارات الثورة الفرنسية إلى واجهة المشهد السياسي والاجتماعي، بعدما ردد محتجون في مدينة مرسيليا عبارة «إنها الثورة.. نقتحم الباستيل»، خلال اقتحام مقر البلدية، في إشارة إلى اقتحام سجن الباستيل في 14 يوليو 1789، الذي يمثل إحدى أبرز محطات الثورة الفرنسية.
وشهدت مرسيليا تحطيم باب مقر البلدية ودخول عشرات المحتجين إلى البهو لفترة وجيزة، قبل تدخل قوات الأمن وإخلاء المبنى، كما تعرضت محلات تجارية في وسط المدينة لأعمال نهب وتخريب.

وأعرب رئيس بلدية مرسيليا، بينوا بايان، عن استيائه من وصول المحتجين إلى مقر البلدية، مطالبًا بتوضيحات بشأن الإجراءات الأمنية التي سمحت بوقوع تلك الأحداث والأضرار التي لحقت بالمبنى.
وفي مدينة ليل، اقتحم محتجون مقر البلدية بعد تحطيم أبواب زجاجية، بينما تدخلت قوات مكافحة الشغب لتأمين المكان. أما في باريس، فقد تركزت التوترات في محيط ساحة الجمهورية، حيث أُحرقت حاويات نفايات وأكشاك، وامتدت النيران إلى سيارة بالقرب من الساحة.

واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق مجموعات دخلت في مواجهات معها، في حين تعرضت متاجر في شارع سيباستوبول للتخريب والنهب. كما منعت شرطة باريس مسيرة غير مرخصة من الوصول إلى محيط قصر الإليزيه، مقر الرئاسة الفرنسية، ضمن إجراءات أمنية مشددة لحماية المواقع الحساسة.
فرنسا تسجل إصابات خطيرة وتوقيف 272 شخصًا خلال المواجهات
كشفت الحصيلة الأولية للاحتجاجات في فرنسا عن توقيف 272 شخصًا حتى الساعة الواحدة ظهرًا بتوقيت غرينتش، وفق وزارة الداخلية، بينما أعلنت شرطة باريس توقيف 163 شخصًا في العاصمة حتى الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر بالتوقيت المحلي.
وسُجلت أخطر الإصابات في مدينة سانت إتيان، بعدما فقد أحد المتظاهرين إحدى يديه جراء انفجار قنبلة تابعة للشرطة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر قريب من الملف، دون توافر تفاصيل نهائية بشأن ملابسات الحادث.

وفي ليون، اندلعت مواجهات عنيفة في ساحة بيلكور، وتعرض مقر مكتب السياحة للحريق عقب مهاجمة واجهته الزجاجية، فيما واجه رجال الإطفاء صعوبات في الوصول إلى موقع الحريق بسبب استمرار الاشتباكات وكثافة الغاز المسيل للدموع.
وسجلت مدن فرنسية أخرى اضطرابات متفاوتة، إذ شارك نحو 32 ألف شخص في احتجاجات تولوز، بحسب السلطات المحلية، بينما بلغ عدد المشاركين في ليون نحو 20 ألفًا، وسجلت بوردو قرابة 7 آلاف متظاهر.
| المدينة الفرنسية | أبرز التطورات |
|---|---|
| باريس | مواجهات وتخريب ومنع مسيرة من الوصول إلى الإليزيه |
| مرسيليا | اقتحام مقر البلدية ونهب متاجر |
| ليون | مواجهات وحريق بمقر مكتب السياحة |
| تولوز | مشاركة نحو 32 ألف متظاهر |
| بوردو | مشاركة قرابة 7 آلاف متظاهر |
| سانت إتيان | إصابة خطيرة لمتظاهر جراء انفجار قنبلة للشرطة |
ملاحظة: الأرقام الواردة تقديرات وحصائل أولية نقلها المحتوى الأصلي عن السلطات والجهات المذكورة.
فرنسا تواجه غضبًا اجتماعيًا بسبب المعيشة والتعليم
تأتي الاحتجاجات في فرنسا امتدادًا لحركة طلابية بدأت منتصف سبتمبر، للمطالبة بتحسين ظروف الدراسة وتوفير الموارد اللازمة للمؤسسات التعليمية، قبل أن تتسع لتشمل قضايا اقتصادية واجتماعية تمس قطاعات واسعة من المجتمع.
ويتصدر ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية والسكن قائمة أسباب الغضب الشعبي، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية والشعور بتزايد الأعباء اليومية على الأسر، في وقت يطالب فيه التلاميذ والطلاب بتحسين بيئة التعليم وتوفير الإمكانات اللازمة داخل المؤسسات الدراسية.
وساهمت الدعوات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا منصة «تيك توك»، في توسيع نطاق المشاركة، مع انضمام نقابيين ومجموعات من حركة «السترات الصفراء»، التي برزت بقوة خلال احتجاجات عامي 2018 و2019، إلى جانب ناشطين بيئيين ومنظمات طلابية ومدنية.
وشهدت روان ورين وبيزانسون ومدن أخرى تجمعات ضمت مشاركين من فئات عمرية ومهنية مختلفة، في مؤشر على اتساع نطاق المطالب الاجتماعية وعدم اقتصارها على فئة واحدة.
صور مقترحة للتقرير: الاحتجاجات في باريس، وحركة السترات الصفراء، وانتشار قوات الأمن خلال المظاهرات. يجب التحقق من تاريخ الصور ومصدرها قبل النشر.
فرنسا أمام انقسام سياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية
ألقت التطورات الميدانية بظلالها على المشهد السياسي في فرنسا، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، وتصاعد الجدل بشأن حدود الاحتجاج السلمي وطريقة تعامل السلطات مع المتظاهرين.
وطالبت الكونفدرالية العامة للشغل الحكومة بوقف ما وصفته بقمع الاحتجاجات، مؤكدة أن حجم المشاركة تجاوز نصف مليون شخص، وأن المطالب الاجتماعية تستدعي استجابة سياسية تتجاوز الإجراءات الأمنية.
في المقابل، انتقدت مارين لوبان، القيادية في حزب التجمع الوطني، ما اعتبرته استغلالًا للمطالب الاجتماعية المشروعة من جانب مجموعات من اليسار المتطرف، محذرة من دور الخطابات السياسية في تأجيج المواجهات.

أما جان لوك ميلونشون، مرشح حركة «فرنسا الأبية» للرئاسة، فانتقد التركيز الإعلامي على مشاهد العنف، مشيرًا إلى مشاركة أعداد كبيرة في مسيرات سلمية، وداعيًا إلى عدم اختزال الاحتجاجات في الأحداث التخريبية التي شهدتها بعض المدن.
وتواجه فرنسا بذلك اختبارًا سياسيًا واجتماعيًا معقدًا، يجمع بين المطالب بتحسين مستوى المعيشة والتعليم، والحفاظ على الأمن العام وحق التظاهر. ويبقى احتواء الأزمة مرتبطًا بقدرة الحكومة والقوى السياسية على التعامل مع أسباب الغضب الشعبي، وتجنب اتساع المواجهات في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية.



