الفيلسوف مصطفى محمود.. موحد العلم والإيمان

مريم صالح
في مثل هذا اليوم، تحلّ ذكرى ميلاد الدكتور مصطفى محمود، الرجل الذي عبر جسورًا نادرة بين العلم والفلسفة، والإيمان والشك، والعقل والقلب.
فصار واحدًا من أكثر المفكرين المصريين والعرب تأثيرًا في الوعي الجمعي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
لم يكن مصطفى محمود مفكرًا تقليديًا ولا داعية بالمعنى المألوف، بل كان رحّالة وجوديًا؛ بدأ رحلته من أقصى الشك، وانتهى إلى يقين هادئ، لا يصرخ ولا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
كاظم الساهر ونزار قباني.. دولة عشق
بروفايل| الدكتور حسام الدين محمود طبيب الخير.. إنسانية تتجسد في “الهدى”
وُلد عام 1921، ودرس الطب، لكن سماعته الطبية سرعان ما تحولت إلى أداة إنصات أعمق لأسئلة الإنسان الكبرى: من أين جئنا؟ ولماذا نحيا؟ وإلى أين نمضي؟
في شبابه، تمرّد على المسلمات، وكتب بجرأة صادمة، فاتهمه البعض بالإلحاد، بينما كان في الحقيقة يخوض صراعًا فكريًا صادقًا مع ذاته.
لم يُخفِ شكوكه، بل دوّنها في كتبه، وكأنه يقول للقارئ: لا تخف من السؤال، فالخوف الحقيقي هو من تعطيل العقل. ومن قلب هذا الصراع خرجت أشهر أعماله: «رحلتي من الشك إلى الإيمان»، لا ككتاب وعظي، بل كسيرة فكرية لإنسان واجه نفسه بلا أقنعة.
على الشاشة الصغيرة، دخل كل بيت عربي عبر برنامجه الشهير «العلم والإيمان»، حيث قدّم خطابًا مختلفًا، يزاوج بين الاكتشاف العلمي والتأمل الإيماني، دون افتعال صدام بينهما.
كان صوته هادئًا، ولغته بسيطة، لكن أثره عميق؛ جعل ملايين المشاهدين يعيدون النظر في علاقتهم بالعلم والدين معًا.
إنسانيًا، اختار العزلة في سنواته الأخيرة، وابتعد عن الأضواء، كأنه أدّى رسالته وآن له الصمت. لم يسعَ إلى سلطة فكرية، ولم يورّث أتباعًا، بل ترك أسئلة مفتوحة، وربما هذا سر بقائه حيًا في الذاكرة.
في ذكرى ميلاده، لا نستعيد مجرد اسم مفكر، بل نستحضر تجربة إنسان آمن بأن الشك مرحلة من مراحل الإيمان، وأن العقل لا يناقض الروح، وأن الصدق مع الذات هو الطريق الأصعب والأصدق.
رحل مصطفى محمود جسدًا، لكن رحلته ما زالت مستمرة في عقول وقلوب من قرأوا له، وشاهدوه، واختلفوا معه ثم احترموه.



