رأي وتحليل

في فهم فلسفة الخصومة في الإسلام

مصطفى سليم

فلسفة الخصومة في الإسلام تقوم على مبدأٍ عظيم، وهو أن الخلاف لا يُفسد القيم ولا يهدم الأخلاق، بل يُدار بالحكمة والعدل، ويُنزّه عن تصفية الحسابات والانتقام الشخصي.

فالخصومة ليست ساحة للغضب، وإنما مجال لاختبار الأخلاق والالتزام بالحق.

وقد جسّد الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى في مواقف كثيرة، حين اختلفوا في الرأي أو الاجتهاد، لكنهم حافظوا على وحدة الدين وسمو السلوك.

من أوضح الأمثلة ما وقع بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث اختلف علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في طريقة معالجة الفتنة.

ورغم شدة الخلاف، لم يتهم أحدهما الآخر في الدين أو النية، وحرص علي رضي الله عنه على منع تحويل الخصومة إلى تصفية حسابات، فقال عن مخالفيه: «إخواننا بغوا علينا»، جامعًا بين بيان الخطأ وحفظ الأخوة، ورافضًا منطق الانتقام أو الإقصاء.

ومن هنا يمكن استخلاص نصائح عملية في إدارة الخصومة، أهمها: التفريق بين الفكرة وصاحبها، فلا يُطعن في الأشخاص بسبب الخلاف؛ وضبط الانفعال، لأن الغضب يفسد العدل؛ وعدم استغلال القوة أو النفوذ لتصفية الحسابات؛ وترك باب العفو مفتوحًا، لأن الهدف من الخصومة الوصول إلى الحق لا كسر الخصم.

تعلّمنا هذه المعاني أن الخلاف إذا ضُبط بالقيم، ولم يُلوّث بتصفية الحسابات، بقي وسيلة إصلاح لا أداة هدم، وأن سمو الأخلاق عند الخصومة هو جوهر القوة الحقيقية للأفراد والمجتمعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى