كومباوند للأموات في مصر.. بيزنس المقابر

المنصة 360
يشهد قطاع خدمات الجنازات في مصر تحولات لافتة مع دخول نماذج أعمال حديثة تسعى إلى تنظيم سوق ظل لعقود طويلة يعمل بشكل غير مؤسسي.
وفي هذا السياق، برزت شركة «سُكنة» كنموذج استثماري جديد يستهدف تطوير منظومة الخدمات المرتبطة بالوفاة، من الإجراءات الإدارية والتنظيمية إلى التخطيط العمراني للمقابر.
تأسست «سُكنة» عام 2019 على يد رائد الأعمال المصري أحمد جاب الله، بعد تجربة مهنية في شركات تكنولوجيا كبرى بوادي السيليكون، لتعمل في مجال إدارة خدمات الجنازات، أو ما يُعرف مجتمعيًا بـ«خدمات التكريم»، مستهدفة تقليل العبء الإداري عن الأسر في أوقات حرجة.
حجم السوق ونمو الطلب
تقول الشركة إنها قدمت منذ تأسيسها ما يقرب من مليون خدمة، وهو رقم يعكس اتساع نطاق العمليات المرتبطة بكل حالة، حيث تشمل الإجراءات الصحية لإثبات الوفاة، واستخراج تصاريح الدفن، وتنظيم النقل، وترتيب مراسم العزاء. ويشير هذا الحجم إلى وجود فجوة تنظيمية كبيرة في سوق يعتمد بدرجة واسعة على ممارسات تقليدية وغير موحدة.
ويأتي توسع الطلب على هذه الخدمات بالتزامن مع تغيرات عمرانية واسعة تشهدها القاهرة الكبرى، حيث أدت مشروعات الطرق والتطوير الحضري إلى إزالة أعداد من المقابر، ما خلق ضغوطًا إضافية على المعروض، ورفع مستويات القلق لدى الأسر بشأن استقرار المقابر القائمة.
التوسع في نشاط المقابر
في ضوء هذه المتغيرات، اتجهت «سُكنة» إلى توسيع نموذج أعمالها ليشمل إنشاء وتطوير المقابر. ووفق تصريحات أحمد جاب الله لـ«CNN الاقتصادية»، تجري الشركة مفاوضات متقدمة مع الحكومة المصرية لإنشاء مجموعات مقابر في شرق وغرب القاهرة، في خطوة تهدف إلى توفير بدائل منظمة تتماشى مع التوسع العمراني.
ويعتمد التصور المبدئي للمشروع على تخطيط حديث يشمل مساحات انتظار وخدمات عامة، في نموذج أقرب إلى مشروعات التطوير العقاري المغلقة، دون الإعلان حتى الآن عن أسعار أو مساحات محددة.
البعد الاستثماري والتمويلي
ورغم أن قطاع الجنازات لا يُعد من القطاعات الجاذبة تقليديًا لرؤوس الأموال، فإن «سُكنة» نجحت في استقطاب استثمارات خلال جولة تمويل أولية عام 2022 بلغت مليون دولار، بقيادة «منترا كابيتال»، وبمشاركة مستثمرين ملائكيين من مصر والسعودية ووادي السيليكون، إلى جانب عائلات أعمال بارزة مثل ساويرس ومنصور والسويدي.
ويعكس هذا التمويل رهان المستثمرين على قابلية التوسع في قطاع يعاني من ضعف التنظيم وغياب الحلول المؤسسية، إضافة إلى الطلب المستقر وغير الدوري المرتبط بطبيعة السوق.
نماذج التسعير والتحوط
لا تزال آليات تسعير وشراء المقابر قيد الدراسة، إلا أن الشركة تشير إلى اتجاهها لتقديم حلول تمويل مرنة، قد تشمل البيع بالتقسيط على غرار السوق العقارية.
ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره أداة تحوط طويلة الأجل، تتيح للمشترين توزيع التكلفة على سنوات، والاستفادة من تغيرات سعر الصرف أو تراجع القوة الشرائية للجنيه في ظل معدلات التضخم.
تحديات تنظيمية واجتماعية
رغم الفرص الاستثمارية، يواجه القطاع تحديات تنظيمية واجتماعية، تتعلق بحساسية التعامل مع خدمات مرتبطة بالموت، إضافة إلى الحاجة لإطار تشريعي واضح ينظم تطوير المقابر وإدارتها.
كما تفرض الاعتبارات الدينية والثقافية قيودًا على نماذج التسويق والتسعير، ما يتطلب توازنًا دقيقًا بين الجدوى الاقتصادية والقبول المجتمعي.
قراءة مستقبلية
يشير مسار «سُكنة» إلى أن سوق خدمات الجنازات في مصر قد يكون مقبلًا على مرحلة إعادة هيكلة، مدفوعة بالتحولات العمرانية، وتغير أنماط الاستهلاك، ودخول رؤوس أموال تسعى إلى تنظيم قطاع ظل لعقود طويلة خارج الحسابات الاقتصادية الرسمية.
ويبقى نجاح هذا النموذج مرهونًا بقدرته على التكيف مع الأطر التنظيمية والاجتماعية، وتحقيق توازن بين البعد الإنساني ومتطلبات الاستثمار.



