الفانوس السحري 3.. كيف ندخر؟

منير الزناتي
في المقالة السابقة، جرى التأكيد على أن الادخار لم يعد خيارًا مؤجلًا أو رفاهية يمكن التغاضي عنها، بل ضرورة اقتصادية لا تقبل الأعذار أو التبريرات.
واليوم ننتقل خطوة إلى الأمام، من التنظير إلى التطبيق العملي، عبر تقديم نموذج واقعي يمكن للجميع الاحتذاء به.
وقبل عرض النموذج، تبرز مجموعة من النقاط الجوهرية التي لا بد من التوقف عندها.
أولها، ذلك الخطاب الزائف الذي يُسوَّق للشباب تحت شعارات براقة من قبيل “اتبع شغفك”، و”الوظيفة لا تصنع ثراء”، و”العمل لدى الغير شكل من أشكال الاستعباد”.
الفانوس السحري 2.. هل أتاكم حديث الادخار؟
الفانوس السحري.. كيف تنشئ محفظة مالية؟
ومع كامل الاحترام لما نُقل عن الأستاذ عباس محمود العقاد في وصفه الوظيفة بأنها “رق القرن العشرين”، فإن الواقع الاقتصادي الحديث يثبت عكس ذلك في كثير من الأحيان.
فعدد غير قليل من كبار أثرياء العالم بدأوا مسيرتهم المهنية من خلال وظائف تقليدية داخل شركات كبرى، وكان الراتب هو مصدر دخلهم الوحيد في البداية، ومنه تشكلت مدخراتهم الأولى التي تحولت لاحقًا إلى استثمارات، ثم إلى ثروات معتبرة.
صحيح أن التجارة والعمل الحر وبناء الشركات الخاصة قد يحقق عوائد أكبر من الادخار التقليدي، إلا أن هذه المسارات لا تناسب الجميع، ولا يحالف التوفيق كل من يخوضها.
فالنجاح في عالم الأعمال يرتبط بعوامل عديدة، يأتي الحظ في مقدمتها، كما أشار رجل الأعمال سميح ساويرس حين قال إن “النجاح والثراء أغلبه حظ”.
ومن هنا، يصبح الاستثمار في النفس هو الخطوة الأذكى قبل التفكير في بناء أي مشروع خاص، عبر اكتساب الخبرات العلمية والعملية، والعمل في وظيفة داخل المجال المستهدف، إلى أن تترسخ الخبرة وتكتمل أدوات الانطلاق.
من الادخار إلى الاستثمار… كيف تبدأ؟
اتفقنا سابقًا على تخصيص نحو 20% من إجمالي الدخل الشهري للادخار، وهي نسبة مرنة تختلف من شخص لآخر بحسب ظروفه.
الخطوة العملية التالية تتمثل في توجيه هذا الجزء من الدخل إلى إحدى شركات الوساطة المالية المرخصة، مثل شركة “ثاندر”، الخاضعة لإشراف هيئة الرقابة المالية وسوق المال، وتعمل تحت رقابة مؤسسات الدولة، بما يوفر قدرًا من الطمأنينة للمستثمرين.

تعمل “ثاندر” من خلال تطبيق إلكتروني سهل الاستخدام، يبدأ بتحميله ثم تسجيل الحساب واتباع التعليمات، ليصلك عقد التعاقد عبر البريد الإلكتروني.
وإذا كان “أمازون” يمثل متجرًا شاملًا للاحتياجات الاستهلاكية، فإن “ثاندر” يمكن اعتباره متجرًا للأدوات الاستثمارية، حيث يضم صناديق استثمار في الذهب، والأسهم، والدخل النقدي، إلى جانب إتاحة الاستثمار في الشركات المصرية المقيدة بالبورصة، وكذلك أسواق المال الأمريكية والإماراتية.
ورغم تنوع الأدوات والفرص، فإن التعامل مع التطبيق يظل بسيطًا ومتاحًا لمختلف الفئات.
ويجدر التأكيد أن الإشارة إلى هذه المنصة ليست إعلانًا تجاريًا، بل توضيحًا لنموذج عملي ساهم في تسهيل الاستثمار على شريحة واسعة من الناس.
بعد تفعيل الحساب، تبدأ مرحلة تحويل الادخار إلى استثمار فعلي، عبر بناء محفظة مالية تتناسب مع الأهداف والقدرات.
ما القادم؟
في المقالة المقبلة، سنناقش مفهوم الاستثمار بشكل أعمق، وأهمية تنويع المحفظة الاستثمارية، وكيف يختلف الاستثمار باختلاف المراحل العمرية، وسبل تحقيق التوازن بين العائد والمخاطر، وصولًا إلى مفهومي الحرية المالية والأمان المالي، وخطط الاستثمار والزمن المناسب لها.
ولا ننسى أبدا الحكمة القرآنية الحاضرة:
“وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون”
سورة الأنعام – آية (32).



