الحرس الثوري واقتصاد إيران.. إمبراطورية الظلام

محمد الشويخ
منذ تأسيسه عقب الثورة الإسلامية عام 1979، لم يعد الحرس الثوري الإيراني مجرد قوة عسكرية عقائدية، بل تحوّل تدريجيًا إلى لاعب اقتصادي ضخم يهيمن على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني.
هذه الهيمنة، التي توسعت بشكل غير مسبوق خلال العقدين الأخيرين، باتت محل اتهام مباشر بأنها أحد الأسباب الرئيسية لتدهور الاقتصاد، وتفاقم الأزمات المعيشية التي يعانيها الإيرانيون اليوم.
إمبراطورية اقتصادية خارج الرقابة
يُسيطر الحرس الثوري على شبكة واسعة من الشركات والمؤسسات الاقتصادية، أبرزها “مقر خاتم الأنبياء” للإنشاءات، الذي يُعد أكبر مقاول في إيران، وينشط في مجالات النفط والغاز، والبتروكيماويات، والسدود، والطرق، والموانئ.
هذه الكيانات تعمل عمليًا خارج منظومة الرقابة البرلمانية والمحاسبة المالية، وتُمنح العقود الحكومية الكبرى بالأمر المباشر، ما يقصي القطاع الخاص الحقيقي ويقتل المنافسة.
هذا الاحتكار أدّى إلى تشويه السوق، وخلق اقتصاد مغلق تهيمن عليه المصالح الأمنية والعسكرية، بدلًا من قواعد الكفاءة والشفافية.
ومع غياب المنافسة، تراجعت جودة المشروعات، وارتفعت كلفتها، وتزايدت مظاهر الفساد والسمسرة.
العقوبات.. والحرس في قلب العاصفة
لعب الحرس الثوري دورًا مركزيًا في السياسات الإقليمية لإيران، من خلال دعم جماعات مسلحة خارج الحدود، وهو ما كان سببًا مباشرًا في تشديد العقوبات الدولية، خصوصًا الأميركية.
هذه العقوبات استهدفت بشكل مباشر شركات وواجهات اقتصادية تابعة للحرس، لكنها في الواقع انعكست على الاقتصاد ككل.
ورغم أن الخطاب الرسمي يُحمّل العقوبات وحدها مسؤولية الانهيار الاقتصادي، إلا أن الواقع يكشف أن الحرس الثوري حوّل العقوبات إلى فرصة لتعزيز نفوذه. فمع انسحاب الشركات الأجنبية، تمددت شبكاته لملء الفراغ، عبر التهريب، والاقتصاد الموازي، وتجارة العملة، ما فاقم انهيار الريال ورفع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية.
خنق الاستثمار وهروب رأس المال
هيمنة الحرس الثوري على الاقتصاد خلقت بيئة طاردة للاستثمار، سواء المحلي أو الأجنبي. المستثمرون يواجهون منافسًا لا يُهزم، مدعومًا بالقوة والنفوذ السياسي والأمني، ولا يخضع لقواعد السوق.
النتيجة كانت هروبًا واسعًا لرؤوس الأموال، وتراجعًا حادًا في الاستثمارات الإنتاجية، مقابل ازدهار أنشطة غير منتجة كالمضاربة والتهريب.
هذا الوضع انعكس بشكل مباشر على معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، وعلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، واتساع رقعة الفقر.
الفساد المنهجي وتآكل الثقة
يرى خبراء اقتصاديون إيرانيون أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم تدخل الحرس الثوري، بل في طبيعته. فالمؤسسة العسكرية، حين تتحول إلى فاعل اقتصادي، تُنتج بالضرورة فسادًا منهجيًا، بسبب غياب الشفافية وتضارب المصالح.
تقارير غير رسمية تتحدث عن مليارات الدولارات المهدرة في مشروعات فاشلة أو غير مكتملة، وعن ثروات طائلة تتركز في أيدي قلة مرتبطة بالحرس، في مقابل تدهور مستوى معيشة الغالبية.
هذا التناقض عمّق فجوة الثقة بين الشارع الإيراني ومؤسسات الدولة، وكان أحد دوافع الاحتجاجات المتكررة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، والتي رفعت شعارات اقتصادية صريحة ضد الفساد وسوء الإدارة.
اقتصاد أمني بدل اقتصاد تنموي
في المحصلة، ساهم الحرس الثوري في تحويل الاقتصاد الإيراني من اقتصاد تنموي يعتمد على الإنتاج والاستثمار، إلى اقتصاد أمني قائم على السيطرة والاحتكار وإدارة الأزمات.
ومع استمرار هذا النموذج، تبدو فرص التعافي محدودة، حتى في حال تخفيف العقوبات، ما لم يتم تقليص الدور الاقتصادي للحرس، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة المدنية، وفتح المجال أمام قطاع خاص حقيقي.
ويبقى السؤال الأهم: هل تملك إيران الإرادة السياسية لإعادة هيكلة اقتصادها، أم سيظل الحرس الثوري ممسكًا بمفاصل الاقتصاد، ولو كان الثمن مزيدًا من الانهيار؟



