رأي وتحليل

بعيدا عن القانون.. حين ينتصر الضجيج على الموهبة

مراد عبد السلام المحامي بالنقض

في زمن لا يُقاس فيه الإنسان بما يعرف، بل بما يعلن أنه يعرف، أصبح من الطبيعي أن يتصدر المشهد أصحاب أنصاف المواهب، بينما يتوارى أصحاب المواهب الحقيقية في الظل، كأنهم ارتكبوا خطيئة التفكير.

نحن لا نعيش أزمة موهبة، بل نعيش أزمة معيار. لم يعد السؤال: من الأجدر؟ بل: من الأجرأ على الكلام؟ من الأكثر ظهورًا؟ من الأقل خجلًا؟

في هذا العصر، لا ينتصر الأفضل، بل الأعلى صوتًا، ولا يلمع الأذكى، بل الأكثر تكرارًا.

أصحاب أنصاف المواهب لا يملكون عبء الوعي، وهذه ميزة ضخمة. لا يفكرون كثيرًا، لا يشكون في أنفسهم، لا يخافون من الخطأ. يتكلمون بثقة كاملة عن كل شيء، حتى عن أشياء لا يفهمونها، ومع التكرار تتحول الجرأة إلى “خبرة”، والسطحية إلى “كاريزما”.

العالم الرقمي صنع نموذجًا جديدًا للنجاح:

ليس مطلوبًا أن تعرف،

المطلوب أن تظهر،

ليس مهمًا أن تكون دقيقًا،

المهم أن تكون مستمرًا.

نرى يوميًا من يقرأ عنوانًا فيحوّله إلى تحليل، ومن يعيش تجربة واحدة فيحوّلها إلى فلسفة حياة، ومن يفشل في شيء فيقدّم نفسه كمدرب للنجاح فيه. الفشل لم يعد مرحلة، بل أصبح محتوى، والسطحية لم تعد عيبًا، بل “أسلوبًا”.

أما أصحاب المواهب الحقيقية، فمأساتهم أنهم يفهمون. يفهمون تعقيد الأفكار، وخطورة التبسيط، ومسؤولية الكلمة. يفكرون قبل أن يتكلموا، ويترددون قبل أن يظهروا، فيخسرون المعركة قبل أن تبدأ. في عالم السرعة، التفكير يُعتبر بطئًا، والتأني يُفسَّر ضعفًا، والصمت يُترجم غيابًا.

السخرية أن المجتمع لا يكافئ العمق، بل الجرأة. لا يحترم المعرفة، بل الثقة المصطنعة. لا ينحاز للأدق، بل للأكثر حضورًا. وهكذا، يصبح صاحب نصف الموهبة “مؤثرًا”، وصاحب الموهبة “غير معروف”، لا لفرق القيمة، بل لفرق الضجيج.

نحن نعيش زمنًا لا يُقصي الموهوبين بالقوة، بل بالإهمال. لا يُحاربهم، بل يتجاوزهم. لا يقول لهم “ارحلوا”، بل يقول لهم بصمت:

من لا يتكلم… لا يُرى.

ومن لا يُرى… لا وجود له.

الخلاصة القاسية:

في هذا العصر، الموهبة وحدها لا تكفي،

والقيمة وحدها لا تنقذ صاحبها،

ومن لا يتعلم فن الظهور،

سيُهزم أمام من لا يملك إلا فن الكلام.

هذا ليس عصر الجودة…

هذا عصر الصوت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى