أمانة الفنون والثقافة.. فن الاستثمار في العقول

بقلم صلاح حسب الله- أمانة الثقافة والفنون حزب الجبهة الوطنية بالقليوبيه
في زمن تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه أدوات التأثير، لم تعد معارك الدول تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت معركة الوعي هي الأخطر والأعمق.
ومن هنا يمكن قراءة ما ترفعه الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي من شعار بناء الإنسان قبل بناء الحجر، باعتباره إدراكًا لطبيعة المرحلة، وليس مجرد خطاب سياسي.
فالدولة التي تبني طرقًا ومدنًا جديدة دون أن تبني وعيًا يحميها، تظل بنيتها معرضة للاهتزاز، أما حين يُستثمر في الإنسان فكرًا وثقافةً ووجدانًا فإن البناء يصبح أكثر رسوخًا واستدامة.
الثقافة كقوة ناعمة في معركة الوعي
الثقافة والفنون ليستا ترفًا، ولا نشاطًا هامشيًا يُضاف إلى العمل السياسي، بل تمثلان أحد أهم مكونات القوة الناعمة للدولة المصرية.
في ظل العولمة الإعلامية الجارفة، التي تسعى أحيانًا إلى طمس الخصوصيات الوطنية وتذويب الهويات، تصبح الثقافة خط الدفاع الأول عن الشخصية المصرية.
ومن هنا تبرز أهمية أن تكون أمانة الثقافة والفنون داخل أي حزب وطني أولوية حقيقية لا شكلية. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست سياسية فقط، بل هي معركة ذوق ووعي وقيم.
أولاً: الثقافة كأداة تشكيل وعي قومي لا مجرد ترفيه
المدخل الصحيح يبدأ بإعادة تعريف دور الثقافة، فهي ليست حفلات ومناسبات، بل مشروع لإعادة صياغة المفاهيم، وتصحيح الذوق العام، وحماية الهوية الوطنية، ومقاومة الرداءة والانحدار القيمي.
نحن بحاجة إلى ثقافة تُعيد الاعتبار للفن الأصيل، وتُرسّخ الانتماء، وتُحصّن الشباب ضد التطرف الفكري، سواء كان تطرفًا دينيًا أو تغريبيًا، فالفن الراقي، والقصيدة الصادقة، والمسرح الجاد، كلها أدوات لبناء إنسان قادر على التمييز بين الغث والسمين.
ثانيًا: النزول إلى الشارع.. لا الاكتفاء بالمكاتب
أي أمانة ثقافة تفقد قيمتها إذا بقيت حبيسة القاعات المغلقة. الثقافة الحقيقية تنزل إلى الناس، إلى القرى قبل المدن، إلى مراكز الشباب، إلى المدارس، إلى الشارع.
لقاءات في القرى، أمسيات شعرية، مسرح شارع، ندوات توعوية، حلقات حكي شعبية.. هذه هي المساحات التي يُصنع فيها التأثير الحقيقي. الناس لا تتأثر بالبيانات الرسمية بقدر ما تتأثر بالاحتكاك المباشر والتجربة الحية.
الثقافة التي تلامس الناس في بيئاتهم اليومية، هي التي تترك أثرًا طويل المدى.
ثالثًا: الشراكات الذكية.. الانتشار الأفقي
لا يمكن لأي كيان أن يعمل منفردًا في ساحة بهذا الاتساع. الشراكة مع بيوت الثقافة، ومراكز الشباب، والمدارس، وقصور الثقافة، والجمعيات الأهلية، تخلق شبكة تأثير واسعة، وتجعل الحزب جزءًا من النسيج المجتمعي لا مجرد كيان سياسي منفصل.
الانتشار الأفقي يمنح الثقافة عمقًا اجتماعيًا، ويحولها من نشاط نخبوي إلى ممارسة يومية داخل المجتمع.
رابعًا: السرد كقوة تأثير
القصة أقوى من الشعار. والسرد الشعبي هو أعمق أدوات تشكيل الوعي. حين نحكي عن “ابن البلد” الذي ضحى من أجل وطنه، أو الشاب الذي خرج من بيئة بسيطة ليصنع لنفسه مكانًا في عالم الثقافة، فإننا لا نقدم مجرد حكاية، بل نصنع نموذجًا يُحتذى.
حين نروي بطولة الشهيد محمد حسين مسعد ابن قرية سنديون، وأول شهداء حرب أكتوبر، فإننا لا نستدعي الماضي فقط، بل نزرع في وجدان الشباب معنى الانتماء والتضحية.
وحين نستحضر تأثير شعراء كبار مثل عبد الرحمن الأبنودي وصلاح جاهين على أجيال كاملة، ندرك كيف يمكن للكلمة أن تصنع وعيًا، وأن تغيّر مسار شاب بسيط ليصبح صوتًا معبرًا عن مجتمعه.
القصة تحرك العاطفة، والعاطفة تفتح باب الفكرة، والفكرة تبني وعيًا.
خامسًا: الهوية الوطنية كعمود فقري
أي مشروع ثقافي بلا هوية واضحة يتحول إلى نشاط عابر. الهوية الوطنية يجب أن تكون العمود الفقري لأي عمل ثقافي جاد: الاعتزاز بالمصريّة، تعزيز قيم التسامح، مواجهة التطرف، وإعادة الاعتبار للفنون الأصيلة مثل فن الموال وتراث “الزمن الجميل”.
لكن هذا لا يتحقق بالشعارات، بل بالممارسة اليومية: دعم المواهب الحقيقية، اكتشاف الطاقات في القرى والمناطق الشعبية، تحويل قصص النجاح المحلية إلى نماذج ملهمة.
مما سبق كله أسطيتع القول بإن أمانة الثقافة والفنون إذا أُديرت باحتراف ورؤية يمكن أن تكون أقوى وأخطر أمانة داخل أي حزب، لأنها لا تعمل على الصناديق الانتخابية، بل على العقول والقلوب، وهي حين تنجح في مهمتها، لا تبني مؤيدين فقط، بل تبني مواطنين.
وفي زمن تتعرض فيه الهويات لاختبارات قاسية، يصبح الاستثمار في الثقافة ليس خيارًا، بل ضرورة وطنية لحماية الوعي المصري، وصون الشخصية المصرية، وضمان أن يظل البناء حجرًا وإنسانًا قائمًا على أساس صلب.


