وتمضي الأيام

إيهاب نجاح جندية
تمضي الأيام كأنها خيوط رفيعة تنسج عمر الإنسان دون أن يشعر، تتسلل من بين أصابعه في هدوء، فلا يسمع لها صوتًا، ولا يرى لها أثرًا إلا حين يلتفت خلفه، فيجد سنوات قد مضت، وذكريات تراكمت، وأحلام بعضها تحقق، وبعضها ما زال معلقًا في سماء الانتظار.
نعيش كل يوم ونحن نظن أن الوقت معنا، وأن الفرص لا تنتهي، فنؤجل، ونتردد، ونضيع لحظات كان يمكن أن تصنع فرقًا كبيرًا في حياتنا. نؤجل كلمة طيبة، واعتذارًا مستحقًا، وقرارًا كان من الممكن أن يغير طريقنا بالكامل. ولكن الأيام لا تعرف التأجيل، فهي تمضي سواء كنا مستعدين أم لا.
وتمضي الأيام حاملة معها وجوهًا أحببناها، بعضها ظل معنا، وبعضها اختفى فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه شيء. نتذكر الضحكات، والمواقف البسيطة، والكلمات العفوية التي كانت تملأ قلوبنا سعادة، فنكتشف أن أجمل ما في الحياة لم يكن أشياء كبيرة، بل لحظات صغيرة عشناها بصدق.
ومع مرور الوقت، ندرك أن العمر ليس مجرد أرقام تُحسب، بل هو مواقف تُعاش، وتجارب تُبنى، ودروس نتعلمها أحيانًا بعد فوات الأوان. كم من خطأ ارتكبناه لأننا لم ننتبه؟ وكم من فرصة ضاعت لأننا خفنا؟ وكم من إنسان خسرناه لأننا لم ننتبه.
وكم من فرصة ضاعت لأننا خفنا؟ وكم من إنسان خسرناه لأننا لم نُقدّر وجوده في الوقت المناسب؟
الأيام تعلمنا، لكنها لا تنتظرنا لنتعلم. تعطي دروسها سريعًا، وأحيانًا قاسيًا، لكنها دائمًا صادقة. تعلمنا أن القوة ليست في عدم السقوط، بل في القدرة على النهوض، وأن النضج ليس في كبر السن، بل في فهم قيمة الوقت، واستغلاله فيما ينفع.
وتمضي الأيام… ونحن بين سعي وأمل، بين نجاح وتعثر، نحاول أن نُصلح ما أفسدناه، ونبني ما تهدم، ونتمسك بما تبقى. البعض ينجح في أن يترك أثرًا طيبًا، والبعض يمر مرورًا عابرًا، كأنه لم يكن.
الحياة ليست طويلة كما نظن، لكنها كافية لنفعل شيئًا يستحق. كافية لنحب بصدق، ونعمل بإخلاص، ونترك ذكرى طيبة في قلوب من حولنا. فليست العبرة بعدد الأيام التي عشناها، بل بما تركناه فيها من أثر.
وهنا يأتي الوجع الحقيقي…
حين نشتاق لأشخاص لم يعد بيننا وبينهم سوى الذكريات، حين نتمنى لو يعود بنا الزمن لنقول كلمة لم تُقال، أو نحتضن من رحلوا دون وداع كافٍ. حين نكتشف أن بعض اللحظات كانت أثمن مما ظننا، لكنها مرت كأي لحظة عادية.
نقف أحيانًا أمام صور قديمة، أو أماكن كانت مليئة بالحياة، فنشعر أن جزءًا منا قد بقى هناك… لم يعد معنا. نحاول أن نتماسك، أن نُقنع أنفسنا أن هذه هي الحياة، لكنها في الحقيقة تترك في القلب أثرًا لا يُمحى.
وتمضي الأيام…
لكن الشوق لا يمضي، والحنين لا يهدأ، والذكريات تظل تسكننا مهما حاولنا الهروب منها.
وكلما مرّ الوقت، أدركنا أن بعض الأشياء لا تُعوّض، وأن بعض الأشخاص لا يُنسون.
فإن كان لك اليوم من تحب، فاقترب…
وإن كان في قلبك كلام، فقله…
وإن كان لديك حلم، فابدأ به الآن…
لأن الأيام إن مضت… لن تعود،
لكن الندم… قد يبقى العمر كله.
وتمضي الأيام… ويبقى الأثر،
ويبقى القلب شاهدًا على كل ما مر.



