أهم الاخبارفن ومنوعات

كاظم الساهر ونزار قباني.. دولة عشق

كتبت – مرام أبوعودة

لم يكن اللقاء بين الشاعر نزار قباني والفنان كاظم الساهر مجرد تعاون عابر بين شاعر ومغنٍ.

بل تحوّل إلى مشروع فني متكامل أعاد الاعتبار للقصيدة العربية في زمن كانت فيه الأغنية السريعة تفرض إيقاعها على الذائقة العامة. هذا التحقيق يتتبع جذور العلاقة، وأسباب نجاحها، وتأثيرها الممتد حتى اليوم.

شاعر يبحث عن صوت مختلف

قبل تعاونه مع كاظم الساهر، كانت قصائد نزار قباني قد غُنّيت بأصوات كبيرة، غير أن معظم التجارب اكتفت باقتطاع أبيات أو تبسيط النص ليتناسب مع اللحن.

فنانون على الجبهة.. كواليس الحرب والفن في نصر أكتوبر المجيدة

احتفاء أممي بالفنان محمد صبحي ومنحه وسام التفرد في الإبداع الثقافي (صور)

نزار، المعروف بدقته وحرصه الشديد على نصوصه، كان يرى أن القصيدة الغنائية لا يجب أن تُختزل أو تُشوَّه، وهو ما جعله متحفّظًا تجاه كثير من الملحنين.

فنان يغامر بالقصيدة

في أواخر الثمانينيات، ظهر كاظم الساهر كمغنٍ وملحن شاب يملك مشروعًا مختلفًا، قائمًا على تلحين القصيدة الفصحى كاملة، دون تنازل لغوي أو موسيقي.

أرسل الساهر تسجيلات أولى لبعض قصائد نزار بصوته وألحانه، في خطوة وُصفت حينها بالمغامرة، نظرًا لصعوبة النص وقلة الرهان التجاري عليه.

لحظة القبول

تفيد شهادات مقربين من نزار قباني أن الشاعر أُعجب بالأداء، لا بوصفه غناءً فقط، بل باعتباره قراءة موسيقية واعية للنص.

لاحقًا، صرّح نزار بأن كاظم «فهم القصيدة من داخلها»، ومنحه إذنًا استثنائيًا بتلحين وغناء أعماله، وهو ما مثّل نقطة تحوّل في مسيرة الطرفين.

من التعاون إلى الظاهرة

مع صدور أغنيات مثل «زيديني عشقًا» و«إني خيرتك فاختاري» و«مدرسة الحب»، بدأت ملامح ظاهرة فنية تتشكّل.

الجمهور، الذي لم يكن معتادًا على الأغنية الفصحى الطويلة، تفاعل مع الأعمال الجديدة، لتتحول قصائد نزار إلى أغانٍ جماهيرية تُردَّد في الحفلات وتُبث على الإذاعات.

قراءة موسيقية للنص

لم يقدّم كاظم الساهر نفسه كمطرب فقط، بل كمفسّر موسيقي للقصيدة. ألحانه اعتمدت على بناء درامي يواكب تصاعد المعنى الشعري، مع توزيع موسيقي حديث حافظ على الطابع الطربي.

هذا التوازن كان أحد أسرار النجاح، إذ لم تطغَ الموسيقى على النص، ولم يبقَ الشعر حبيس الإلقاء.

تأثير ثقافي يتجاوز الغناء

يرى نقاد موسيقى أن هذه الشراكة أعادت الثقة في قدرة القصيدة العربية على الوصول إلى الجمهور العريض، وكسرت الفكرة السائدة بأن الفصحى لا تصلح للغناء الجماهيري.

كما شجّعت فنانين آخرين على خوض تجارب مشابهة، ولو بدرجات متفاوتة من النجاح.

بعد رحيل نزار

بعد وفاة نزار قباني عام 1998، تحوّل مشروع كاظم الساهر مع قصائده إلى ما يشبه الوفاء الفني.

واصل الساهر أداء هذه الأعمال في حفلاته الكبرى، معتبرًا أن هذا التراث ليس ملكًا لفنان واحد، بل جزء من الذاكرة الثقافية العربية.

تكشف تجربة كاظم الساهر ونزار قباني أن النجاح الفني الحقيقي لا يقوم فقط على الشهرة أو السوق، بل على التلاقي العميق بين الفكرة والصوت.

لقد أثبت هذا الثنائي أن القصيدة العربية، حين تجد من يحترمها ويؤمن بها، قادرة على أن تعيش طويلًا، وأن تنافس في أكثر الساحات الفنية ازدحامًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى