أهم الاخبارفن ومنوعات

متلازمة الخشخاش الطويل.. لماذا يُحارَب النجاح في مجتمعاتنا؟

نانسي محمد

في مجتمعات كثيرة، لا يُقابل النجاح دائمًا بالتصفيق، بل قد يصبح سببًا للهجوم والتشكيك والتقليل من القيمة.

هذه الظاهرة، التي تتكرر في بيئات العمل والتعليم والإعلام، يُطلق عليها علماء النفس مصطلح «متلازمة الخشخاش الطويل» (Tall Poppy Syndrome)، في إشارة إلى الميل الاجتماعي لمعاقبة من يبرز أو يتفوق على غيره.

يرجع أصل المصطلح إلى قصة تاريخية عن ملك روماني كان يقص زهور الخشخاش الأطول في حديقته، في رمز واضح للتخلص من الشخصيات البارزة. ومع تطور علم النفس الاجتماعي، أصبح المفهوم أداة تحليلية لفهم سلوك جماعي يتعامل مع التفوق بوصفه تهديدًا لا إنجازًا.

ما الذي تقوله الدراسات؟

تشير دراسة نُشرت في Journal of Social Psychology إلى أن الأفراد يميلون إلى تقييم الشخص الناجح بشكل أكثر قسوة عندما يكون نجاحه واضحًا ومعلنًا، مقارنة بمن يحقق إنجازًا محدودًا أو غير ظاهر.

وتُرجع الدراسة ذلك إلى آلية دفاع نفسي ناتجة عن المقارنة الاجتماعية، حيث يشعر الآخرون بأن تفوق شخص واحد يسلط الضوء على إخفاقاتهم الشخصية.

كما أظهرت دراسة أخرى أجرتها جامعة فلندرز الأسترالية أن المجتمعات التي تركز على الامتثال الجماعي تقل فيها معدلات تشجيع الإبداع والقيادة الفردية، مقابل ارتفاع معدلات السخرية من المتفوقين أو التشكيك في دوافعهم، وهو ما ينعكس سلبًا على الإنتاجية والابتكار على المدى الطويل.

أماكن العمل: التميز غير مرحب به

في بيئات العمل، تتجلى متلازمة الخشخاش الطويل بوضوح. فالموظف الذي يحقق نتائج لافتة قد يُتهم بالسعي للشهرة أو بتجاوز زملائه، بدل أن يُكافأ على أدائه. وتوضح دراسة صادرة عن Harvard Business Review أن الموظفين المتميزين في بعض المؤسسات يواجهون مقاومة داخلية غير معلنة، تتجسد في عرقلة الترقيات أو تقليص الصلاحيات، خوفًا من اختلال موازين القوة داخل الفريق.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الممارسات لا تضر الأفراد فقط، بل تؤدي إلى إضعاف المؤسسات نفسها، إذ تدفع الكفاءات إما إلى الانسحاب النفسي أو البحث عن بيئات أكثر تقديرًا.

التعليم: حين يُخفى التفوق

في المؤسسات التعليمية، لا يبدو المشهد مختلفًا كثيرًا. إذ يتعرض بعض الطلاب المتفوقين لسخرية أو عزلة اجتماعية، ما يدفعهم إلى خفض مستوى أدائهم أو إخفاء قدراتهم.

دراسة نشرتها British Educational Research Journal كشفت أن نسبة معتبرة من الطلاب المتميزين يتعمدون عدم إظهار تفوقهم خوفًا من النبذ الاجتماعي، خاصة في البيئات التي تمجّد “الاندماج” على حساب التميز.

الإعلام ومنصات التواصل

تلعب وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دورًا مزدوجًا في هذه الظاهرة. فمن جهة، تبرز قصص النجاح، ومن جهة أخرى تسهم في تضخيم أي هفوة صغيرة للناجحين، وتحويلها إلى مادة للهجوم والتشويه.

ويرى باحثون في علم الاجتماع الرقمي أن ثقافة “الترند” السريع عززت نزعة الاغتيال المعنوي، حيث يصبح إسقاط الناجح حدثًا أكثر جذبًا من الاحتفاء بإنجازه.

آثار نفسية واجتماعية ممتدة

يحذر مختصون من أن التعرض المستمر لمتلازمة الخشخاش الطويل قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس، والقلق الاجتماعي، والإرهاق النفسي، وصولًا إلى تقليص الطموح أو الهجرة المهنية.

وعلى المستوى المجتمعي، تسهم هذه الظاهرة في هدر المواهب، وتراجع الابتكار، وترسيخ ثقافة الرداءة، حيث يصبح “عدم البروز” الخيار الأكثر أمانًا.

بين التواضع ومعاقبة التميز

ورغم أن بعض الباحثين يرون أن كبح التفاخر المفرط قد يكون صحيًا، فإنهم يؤكدون أن الفرق كبير بين تشجيع التواضع، ومعاقبة النجاح ذاته.

فالمجتمعات التي تقص “الخشخاش الطويل” باستمرار، لا تحافظ على توازنها، بل تحرم نفسها من محركات التقدم الحقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى