G-4JR4TBJHB4
اقتصاد

الحمير في الأردن.. أسعار نار وإنقراض محتمل

أسعار الحمير في الأردن لم تعد مجرد مؤشر هامشي في أسواق الدواب، بل تحولت إلى دلالة اقتصادية تعكس تغيرات أعمق في أنماط الإنتاج الزراعي وتكلفة المعيشة.

حيث سجلت هذه السوق قفزات سعرية لافتة مدفوعة بعوامل العرض والطلب وتراجع الأعداد بشكل واضح خلال السنوات الماضية.

خريطة أسعار الحمير في الأردن.. تفاوت يعكس القيمة والاستخدام

 

تشهد تجارة الحمير في الأردن حالة من النشاط الملحوظ، مع تباين واضح في الأسعار بحسب المواصفات والقدرات البدنية، بحسب صحف محلية أردنية.

فالحمار الأسود، وهو الأكثر استخدامًا في الأعمال الزراعية الشاقة، يتراوح سعره حول 200 دينار أردني، ويُعد خيارًا اقتصاديًا للمزارعين الذين يعتمدون عليه في الحراثة ونقل الأحمال.

أما الحمار الأبيض، فيحظى بطلب أعلى، حيث تصل أسعاره إلى نحو 300 دينار أو أكثر، مدفوعًا بندرته النسبية ومظهره الذي يجعله مرغوبًا في بعض الاستخدامات الخاصة.

وفي الفئة الأعلى، تقفز الأسعار بشكل كبير، إذ قد تتجاوز 1,500 دينار لبعض الأنواع المميزة، مثل الحمار الصليبي الأبيض طويل القامة، الذي يتمتع بقدرات بدنية قوية تجعله أقرب في أدائه إلى البغال، ما يمنحه قيمة استثنائية في الأسواق.
هذا التفاوت السعري لا يعكس فقط الفروق الشكلية، بل يرتبط بشكل مباشر بقدرة الحيوان على التحمل والإنتاج، وهو ما يجعل السوق أكثر انتقائية مقارنة بالماضي.

الحمير في الأردن

تراجع أعداد الحمير في الأردن.. أزمة عرض تهدد التوازن

 

على الجانب الآخر، تكشف البيانات عن تراجع حاد في أعداد الحمير داخل المملكة، وهو ما يمثل أحد أبرز أسباب ارتفاع الأسعار.

ففي عام 1997، بلغ عدد الحمير أكثر من 14 ألف رأس، قبل أن ينخفض بشكل ملحوظ إلى نحو 5,657 رأسًا في عام 2014، وفق بيانات الثروة الحيوانية.

ورغم تسجيل ارتفاع طفيف في عام 2022 إلى نحو 6,200 رأس، فإن التقديرات الحديثة لعام 2026 تشير إلى استقرار العدد عند حوالي 5,662 حمارًا فقط، ما يؤكد استمرار الاتجاه التنازلي على المدى الطويل.

هذا التراجع يضع الأردن في المرتبة الأخيرة عربيًا من حيث أعداد الحمير، ويعكس تغيرًا جذريًا في أنماط الاعتماد على هذه الدواب، خاصة مع انتشار الميكنة الزراعية خلال العقود الماضية.

كما أن انخفاض الأعداد يخلق فجوة واضحة بين العرض والطلب، وهو ما يفسر جزئيًا القفزات السعرية الأخيرة.

العوامل الاقتصادية تعيد رسم السوق

يرى خبراء أن ارتفاع أسعار الحمير في الأردن ليس ظاهرة عابرة، بل نتيجة مباشرة لتداخل عدة عوامل اقتصادية وزراعية.

في مقدمة هذه العوامل، يأتي ارتفاع أسعار المحروقات، الذي دفع العديد من المزارعين، خاصة في المناطق الريفية، إلى العودة لاستخدام الحمير كوسيلة نقل منخفضة التكلفة مقارنة بالآلات الحديثة.

كما أن الاستخدام أصبح أكثر تخصصًا، حيث تتركز الحاجة إلى الحمير في المناطق الوعرة والجبلية التي يصعب على الجرارات والمعدات الثقيلة الوصول إليها، ما يمنح هذه الحيوانات ميزة تنافسية لا يمكن تعويضها بسهولة.

في المقابل، أدى الاعتماد الطويل على الميكنة إلى تراجع تربية الحمير وإهمالها، وهو ما ساهم في تقلص أعدادها بشكل كبير.

وتحذر جهات معنية من أن الحمار البلدي بات مهددًا بالانقراض، في ظل ضعف برامج الرعاية والتربية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويعزز الاتجاه الصعودي للأسعار.

في المجمل، تعكس هذه التطورات واقعًا اقتصاديًا جديدًا، حيث أعادت الظروف المعيشية والضغوط المالية تقييم الأصول التقليدية، ليتحول الحمار من وسيلة نقل مهملة إلى مورد نادر تتزايد قيمته مع مرور الوقت. هذا التحول لا يسلط الضوء فقط على سوق الدواب، بل يكشف أيضًا عن قدرة المجتمعات على التكيف مع الأزمات عبر إعادة توظيف الموارد المتاحة، مهما بدت بسيطة أو تقليدية.

أهمية كبرى

في العموم تكتسب الحمير في الأردن أهمية خاصة تتجاوز كونها وسيلة نقل تقليدية، إذ تمثل عنصرًا حيويًا في دعم سبل المعيشة بالمناطق الريفية والنائية. ففي القرى الجبلية والطرق الوعرة، تظل الحمير الخيار الأكثر كفاءة لنقل المحاصيل الزراعية والمياه والأعلاف، خاصة في الأماكن التي تعجز المركبات الحديثة عن الوصول إليها.

كما تسهم في خفض تكاليف التشغيل على صغار المزارعين، في ظل ارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات الإنتاج.

ولا يقتصر دورها على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البعد البيئي، حيث تُعد وسيلة نقل صديقة للبيئة لا تنتج انبعاثات ضارة، ما يجعلها خيارًا مستدامًا يتماشى مع التوجهات الحديثة للحفاظ على الموارد الطبيعية.

كذلك، تمثل الحمير جزءًا من التراث الزراعي والاجتماعي في الأردن، إذ ارتبطت تاريخيًا بأنماط الحياة الريفية وأساليب الإنتاج التقليدية.

ومع تزايد التحديات الاقتصادية، تعود هذه الدواب لتؤدي دورًا متجددًا في دعم الأمن الغذائي وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف، ما يجعل الحفاظ عليها وتنميتها ضرورة استراتيجية وليست مجرد خيار تقليدي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى