حين يصبح الرأي العام خصمًا للعدالة

مراد عبدالسلام – المحامي بالنقض
أخطر ما يواجه العدالة اليوم ليس نقص القوانين ولا بطء التقاضي، بل ذلك الخصم الجديد الذي اقتحم قاعة المحكمة دون صفة أو مسؤولية: الرأي العام. رأي لا ينتظر تحقيقًا، ولا يعترف بقرينة البراءة، ولا يرى في المتهم سوى صورة صُنعت له على مواقع التواصل.
في قضايا كثيرة، يكفي مقطع فيديو مبتور أو منشور مجهول المصدر حتى يصدر الشارع حكمه بالإدانة. يتحول الاتهام إلى حقيقة، والاشتباه إلى جريمة، والدفاع إلى تبرير، وكأن القانون وُجد ليخضع للغضب العام لا ليضبطه.
كم من متهم دخل التحقيق وهو مدان اجتماعيًا قبل أن تُفحص الأدلة؟
وكم من قاضٍ وُضع تحت ضغط غير معلن لأن الحكم «العادل» في نظر الناس هو الحكم الذي يُرضيهم؟
وكم من محامٍ وُصم بالخيانة لمجرد أنه مارس حق الدفاع؟
اقرأ أيضا…
قانون الأحوال الشخصية بين التطبيق والتنفيذ
حقوق العامل في قانون العمل الجديد… نصوص سهلة وواقع عنيد
لكن المفارقة الأخطر أن الرأي العام لا يكون دائمًا قاسيًا… أحيانًا يكون متعاطفًا بشكل أعمى.
فكما يُدين بلا دليل، قد يُبرّئ بلا حق. يتحول المتهم – إذا أُحسن تسويقه عاطفيًا – إلى ضحية، لا لأن الأوراق قالت ذلك، بل لأن القصة مؤثرة، والدموع حاضرة، والصورة إنسانية.
كم من جريمة خفّف الرأي العام من وقعها لأن المتهم «غلبان»، أو «حظه سيئ»، أو «ما كانش يقصد»؟
وكم من قضية انقلب فيها ميزان الناس، لا لصالح الحقيقة، بل لصالح العاطفة؟
هنا تُظلم العدالة مرتين:
مرة حين يُدان بريء تحت ضغط الغضب الشعبي،
ومرة حين يُمنح مذنب تعاطفًا عامًا يُفرغ الجريمة من معناها.
الأخطر أن الرأي العام لا يعترف بالأحكام النهائية. البراءة في ميزان القانون لا تمحو الإدانة الشعبية، والإدانة القضائية قد تُخفف معنويًا إذا تعاطف الناس مع الجاني. وكأن القضاء أصبح رأيًا من ضمن الآراء، لا الكلمة الأخيرة.
العدالة لا تُدار بالهاشتاج، ولا تُقاس بعدد اللايكات، ولا تُبنى على فيديو مجتزأ أو قصة ناقصة. القاضي ليس موظف علاقات عامة، والمحكمة ليست ساحة تصويت، والقانون لم يُشرّع لإرضاء الشارع، بل لحمايته من نفسه حين يغضب أو يرقّ بلا وعي.
حين يصبح الرأي العام خصمًا للعدالة، نستبدل دولة القانون بمحكمة الشارع، ونفتح الباب لإدانة بلا دليل، وبراءة بلا حق. وحينها، لن يكون أحد في مأمن… لأن العدالة التي تخضع للعاطفة، قسوةً أو شفقة، تفقد معناها.



