المال السياسي بين أوجاع الفقراء والسماسرة

علي رشاد صقر
انتشر مصطلح المال السياسي على نطاق واسع في الآونة الأخيرة، وخاصة بعد ثبوت جرائم توزيع المال للحصول على أصوات الناخبين من أجل الفوز بكرسي البرلمان والتمتع بالحصانة السياسية والمكاسب الاقتصادية.
ويعتمد مصطلح المال السياسي على ثلاثة عناصر، وهم: دافع المال، موزع المال، والحاصل على المال. وسنتناول في هذا المقال دور كل منهم بإيجاز.
أولًا: دافعو الأموال
ليس بالضرورة أن يكون دافع المال هو المرشح نفسه فقط، بل نجد أيضًا بعض رجال الأعمال الذين يسعون خلف مصالحهم الاقتصادية بعيدًا عن دائرة الأضواء حتى لا تتركز عليهم الأنظار. فنجد أمثال هؤلاء يتسابقون في دفع الأموال لخدمة المرشح من أجل الحصول على المزيد من المميزات التي تخدم مصالحهم وأهدافهم، وهي مصالح بعيدة كل البعد عن مصالح الشعب.
ثانيًا: موزعو المال
وهؤلاء هم أشد خطرًا على الناس من المرشحين ورجال الأعمال؛ فهؤلاء الأشخاص غالبًا ما تجدهم في القرى والمراكز، ولديهم من الهيبة ما قد يخدع الفقراء ويشوّش عقول الشرفاء. وعادة ما يظهرون في المحافل القروية والمركزية، ويقدمون أنفسهم على أنهم من أهل الحل والعقد. ويُعد دور هؤلاء هو الأخطر في العملية الانتخابية، حيث يقومون بتجنيد سماسرة الانتخابات من البلطجية وعديمي الأخلاق، أو حتى بعض الجمعيات الخيرية، من أجل إقناع فئة معينة من الشعب بالخروج ودعم المرشح مقابل فتات من المال. بل ويقنعون ذلك الفقير بأنهم اختاروه من بين المئات للحصول على المال، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل قد يتفقون مع أكثر من مرشح ما دام الدفع مستمرًا.
ثالثًا: آخذو المال
في الواقع، فإن الذين يتقاضون هذه الأموال هم الفئة التي تمثل السواد الأعظم من الشعب، وهي فئة تعاني من الفقر والعوز. ومثل هؤلاء الأشخاص لا يملكون رفاهية الإجازات من أجل الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية، فهم لا يهمهم من يكون، ولا يهمهم من سيفوز، بل إن كل همهم هو الحصول على مبلغ إضافي من المال، حتى وإن كان يسيرًا. فهم يحسبونه انتصارًا مؤقتًا على الفقر، والحصول على مال دون تعب. وقد تحل هذه الفتات من المال مشكلتهم ليوم، أو حتى لبعض يوم، وهو يعلم ذلك، ولا يشعر بالسوء حيال الأمر؛ لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه هامش لا يراه أحد، ولا يشعر بأوجاعه أحد، ولا يجد من يعطيه دون مقابل. ويرى في الانتخابات فرصة لا تُعوَّض للحصول على المال، ومع علمه أنه سيدفعه أضعافًا نتيجة قرارات خاطئة، لكنه يعلم أيضًا أنه سواء ذهب لأخذ المال أو لم يذهب، فسيدفع يوميًا ضريبة فقره ووجوده في الحياة.
وهنا نتساءل: هل أصحاب المال يقدمون خدمة لهذا المواطن بتقديمهم المال؟ أم أن العوز والفقر هما من ساقا هؤلاء للمشاركة في هذه الجريمة؟


