الحاويات الفارغة.. واقع الممرات البحرية في زمن الحرب

بقلم الربان عمرو قطايا رئيس شركة Zenith Enterprise
لم تعد أزمة “الحاويات الفارغة” مجرد خلل فني في سلاسل الإمداد، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لتحول الممرات البحرية إلى ساحات صراع مفتوحة. ما نشهده اليوم ليس نقصاً في إنتاج الحاويات، بل انسداد في الشرايين التي تحرك التجارة العالمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهي شرايين لا تتحمل أي ارتباك دون أن يرتد أثره على الاقتصاد العالمي بالكامل.
الأزمة تفجّرت بشكل حاد مع تصاعد التوترات العسكرية أواخر فبراير 2026، وما تبع ذلك من إغلاق فعلي أو شبه كامل لحركة الملاحة في مضيق هرمز. التقارير تشير إلى وجود عشرات السفن العالقة داخل الخليج العربي أو في موانئ قريبة، ومع كل سفينة تتعطل، تتوقف مئات الحاويات عن الحركة، سواء كانت محملة أو فارغة. هذه الحاويات التي يفترض أن تعود بسرعة إلى موانئ التصدير في آسيا أصبحت خارج الدورة اللوجستية، وهو ما خلق اختلالاً خطيراً في التوازن العالمي للحاويات.
المشكلة لا تتوقف عند التعطّل فقط، بل تتفاقم مع اضطرار شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر قناة السويس والبحر الأحمر. هذا التحول يضيف ما يقرب من أسبوعين إلى زمن الرحلة الواحدة، ما يعني أن الحاوية التي كانت تعود سريعاً إلى الصين أو الهند لإعادة تحميلها، أصبحت تستغرق وقتاً أطول بكثير. النتيجة الطبيعية هي نقص حاد في الحاويات في مراكز التصدير، مقابل تكدّسها في موانئ لا تحتاجها.
ومع تجنب بعض السفن المرور عبر مناطق التوتر، تعرضت موانئ بديلة في الخليج وآسيا لضغط غير مسبوق، فتكدست فيها الحاويات الفارغة دون وجود سفن كافية لإعادتها إلى الدورة الطبيعية. هنا بدأت شركات الشحن في فرض رسوم طوارئ مرتفعة لتعويض نقص الحاويات وارتفاع تكلفة الوقود، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الشحن، ثم على أسعار السلع في الأسواق.
لكن الأخطر في هذه الأزمة هو بعدها السياسي. فالصراع الأمريكي-الإيراني أعاد تذكير العالم بحقيقة قديمة: أن الممرات البحرية يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى أوراق ضغط عسكرية. حين يصبح مضيق هرمز أو باب المندب ساحة توتر، فإن الحاوية نفسها تتحول من أداة تجارة إلى جزء من معادلة القوة. ومع ارتفاع أسعار وقود السفن وصعوبة التزود به في موانئ رئيسية، اضطرت شركات الملاحة إلى تقليل السرعة أو تقليص عدد الرحلات، ما زاد من اختناق سلاسل الإمداد.
أزمة فوارغ الحاويات اليوم تكشف هشاشة النظام التجاري العالمي، الذي يبدو ضخماً وقوياً في أوقات الاستقرار، لكنه يتعثر سريعاً حين تُغلق ممراته. وفي عالم يعتمد على البحر في أكثر من 80% من تجارته، يكفي أن يضيق مضيق واحد، حتى يشعر العالم كله بالاختناق.



