المهندس رأفت رفاعي يكتب: السيسي يؤسس لجمهورية الوعي وما بعد 2030
لم يعد الحديث عن مستقبل مصر في عهد الرئيس السيسي مقتصرًا على المشروعات القومية أو معدلات النمو الاقتصادي أو تطوير البنية التحتية، بل أصبح يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمن سيحمل مسؤولية الدولة في السنوات المقبلة، وكيف يمكن إعداد جيل يمتلك الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي القادر على حماية مكتسبات الوطن وصناعة مستقبله.
ومن هنا تبرز أهمية منتدى مصر، باعتباره مساحة للحوار ونافذة لقراءة توجهات الدولة نحو بناء الإنسان وتأهيل الأجيال الجديدة.
ومن خلال متابعتي للمنتدى، أرى أن الرسالة الأهم التي يمكن قراءتها في توجهات الرئيس عبد الفتاح السيسي هي أن بناء مصر الحديثة لا يكتمل بالإنجازات المادية وحدها، وإنما يحتاج إلى عقول واعية، وشباب قادر على فهم التحديات، وقيادات جديدة تمتلك المعرفة والمسؤولية والقدرة على اتخاذ القرار.

إن إعداد جيل واعٍ اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا يمثل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الدولة، خاصة في ظل عالم تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية مع التحديات الإقليمية والتحولات الدولية المتسارعة، فالدول لا تحافظ على استقرارها بقوة مؤسساتها فقط، بل بقدرة مواطنيها على إدراك حجم التحديات، والتمييز بين الاختلاف المسؤول ومحاولات إثارة الفوضى، وبين النقد البناء وتوظيف الأزمات لتحقيق المصالح الشخصية.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى اهتمام الرئيس بتأهيل الشباب باعتباره توجهًا يتجاوز حدود اللحظة الراهنة، ليمتد إلى ما بعد عام 2030، حين تصبح مسؤولية استكمال مسيرة التنمية مرتبطة بقدرة جيل جديد على استيعاب التجارب السابقة وتطويرها.
السيسي والتاريخ
وإذا كانت صفحات التاريخ تُكتب بالقرارات الكبرى والتحولات الفارقة، فإن تأسيس نهج مستدام لإعداد أجيال قادرة على إدارة المستقبل يمكن أن يمثل أحد الأبواب المهمة نحو ترسيخ إرث سياسي وتنموي طويل الأمد. فالقيمة الحقيقية لأي تجربة في بناء الدولة لا تقاس فقط بما تحققه في حاضرها، بل أيضًا بما تتركه من مؤسسات وكفاءات ووعي لدى الأجيال التالية.
ويظل الحفاظ على استقرار مصر أحد الاعتبارات الأساسية في هذه المعادلة، ليس باعتباره غاية منفصلة عن التنمية، بل شرطًا لازمًا لاستمرارها. فالاستقرار الحقيقي هو الذي يتيح للمجتمع العمل والإنتاج والاستثمار، ويمنح الشباب فرصة المشاركة في صياغة الأولويات الوطنية، ويخلق مساحات مسؤولة لتبادل الأفكار ومناقشة التحديات.
ومن أبرز المكاسب التي أتطلع إليها من منتدى مصر فتح المجال أمام جيل جديد من الشباب، لا يكتفي بمشاهدة المشهد من بعيد، بل يشارك في فهمه وصناعة بدائله. فالشباب المؤهل علميًا وعمليًا هو القادر على مواجهة الشائعات، وكشف المصالح الضيقة، والتعامل مع الأزمات بعقلانية بدلًا من الانسياق وراءها.
ومن خلال متابعتي للمنتدى، أرى أن إتاحة الفرصة أمام الكفاءات الجادة يمكن أن تضيق المساحة أمام المنتفعين وتجار الأزمات، الذين يستثمرون في غياب الوعي أو ضعف المشاركة لتحقيق مكاسب خاصة. فكلما اتسعت دائرة المعرفة والمساءلة وتكافؤ الفرص، أصبحت قدرة المجتمع على حماية مصالحه أكثر رسوخًا.
إن مصر ما بعد 2030 تحتاج إلى أكثر من خطط ومشروعات؛ إنها تحتاج إلى إنسان يمتلك الوعي والانتماء والكفاءة. وإذا نجح منتدى مصر في تحويل الحوار إلى فرص حقيقية للمشاركة والتأهيل، فسيكون خطوة مهمة نحو جمهورية تصنع مستقبلها بعقول أبنائها، وتحمي استقرارها بالوعي، وتواصل بناء دولتها على أسس أكثر قوة واستدامة.



