دولة التلاوة ودروس الانتخابات.. ماذا يريد الشعب المصري حقا؟

بقلم: عبدالرحمن ندا – مشرف مبيعات الشركة المتحدة للصناعات الغذائية – مونتانا
من يتأمل المشهد المصري خلال الشهور الماضية سيجد نفسه أمام لوحة شديدة الدلالة؛ لوحة تجمع بين النجاح الساحق الذي حققه برنامج «دولة التلاوة» وبين السلوك الانتخابي للشارع المصري في انتخابات مجلس النواب.
مشهدان يبدوان في الظاهر منفصلين، لكن الحقيقة أنهما وجهان لعملة واحدة: بحث الشعب عن القدوة… قبل المعلومة، وعن القيم… قبل الخدمات.
لقد حقق برنامج دولة التلاوة ما يشبه الظاهرة الوطنية. لم يكن مجرد برنامج ديني أو فني، بل حالة وجدانية وروحية أعادت للناس جزءًا من جمالهم المفقود؛ حالة جعلت المصريين بكل أطيافهم ينتظرون حلقاته بشغف، ويحتفون بمتسابقوه وكأنهم أبناء من بيوتهم.
هذه المحبة الجارفة لم تأتِ من فراغ؛ جاءت لأن البرنامج أعاد للناس شيئًا افتقدوه طويلاً: الطهر، الجمال، الصوت النقي، والروح المتصلة بالله. أعاد لهم معنى أن يكون الإعلام «دولة للذوق» لا «سوقًا للابتذال».
لكن في المقابل، جاءت الانتخابات لتكشف جانبًا آخر من روح الشارع المصري، بعض الناس شاركوا بإيجابية، ودعموا مرشحين يثقون فيهم، ووقفوا ضد المال السياسي، رغم محاولات التأثير والشراء.
بينما قرر آخرون ألا يشاركوا، لا تكاسلًا ولا هروبًا، ولكن احتجاجًا على «جو عام» يرونه غير منضبط أو غير ناضج.
ورغم التفاوت، فإن الرسالة كانت واحدة:
الناس لا تريد عبثًا سياسيًا ولا ضجيجًا إعلاميًا بل تريد منظومة نظيفة، تشبه «دولة التلاوة» في روحها وأخلاقها وصدقها.
الشعب يقول كلمته… ولو بالصمت أحيانًا
يريد البعض أن يصور أن الشعب لا يهتم إلا بالعامية والفوضى والسخف، في حين أن مشاهد «دولة التلاوة» جاءت لتنسف هذه الفكرة من أساسها.
ويريد آخرون أن يبرروا صعود مرشحين غير مؤهلين بأنهم «اختيار الناس»، بينما الحقيقة أن كثيرًا من الاختيارات تتم في غياب منافسين حقيقيين أو داخل مناخ لم تكتمل فيه شروط المنافسة.
لكن ما رأيناه مؤخرًا في الصناديق وفي الشوارع وعلى منصات السوشيال ميديا يؤكد أن الشعب يتغير، وأنه يريد أن يعيش في بيئة نظيفة أخلاقيًا، ذات قيمة، فقط لم تتح له الفرصة كاملة بعد.
لذلك فإن الربط بين «دولة التلاوة» والانتخابات ليس رفاهية، لأن النجاح الأخلاقي والجمالي الذي حققه البرنامج ليس مجرد نجاح إعلامي، بل إشارة اجتماعية وسياسية يجب أن تقرأها الدولة والأحزاب جيدًا.
الشعب يريد دولة «التلاوة» بالمعنى الواسع:
دولة العلم
دولة الأخلاق
دولة القدوة
دولة الجمال
دولة السياسة النظيفة
وليس دولة البرامج الساقطة التي يقال إنها «مطلب الناس».
وليس دولة النواب الذين يفتقرون للحد الأدنى من الوعي والقدرة على التشريع.
ماذا نفهم من هذه اللحظة؟
نفهم بوضوح أن المصريين يبحثون عن قيادة تشبههم، وبرامج ترفع من ذوقهم، ونواب يعبرون عنهم بحق، لا بالمال السياسي ولا بالضجيج المصطنع.
نفهم أن «دولة التلاوة» ليست مجرد برنامج؛ بل مؤشر على استعداد المجتمع للارتقاء، وأنه لا يرفض الجمال والقيم كما يُصوَّر، بل ينتظر من يمنحه فرصة للعيش داخل إطار نظيف راقٍ.
وختامًا دعوا الشعب يقودكم إلى ما يريد إنها لحظة يجب أن تتوقف أمامها الدولة والأحزاب خصوصًا تلك التي لم تُلوَّث سياسيًا بعد لتدرس هذا التحول العميق بحكمة.
ولو أحسنا قراءة هذا المزاج الشعبي، وعاملنا الناس باحترام، وقدمنا لهم منتجًا سياسيًا يشبه «دولة التلاوة» في نزاهته وارتفاع قيمته…
فإن هذا البلد سيعود إلى مجده وعزته، لا محالة، والناس تقولها بوضوح الآن:
نريد دولة التلاوة، ودولة الأخلاق، ودولة العقول النظيفة، هذه هي الحقيقة وهذا هو الدرس.



