رجالٌ حول الرئيس

بقلم: أيمن منصور ندا
كما أنَّ لكلِّ نهضة رجالها، فلكلِّ نكسة رجالها أيضاً؛ فالحاكم (أيّاً كان لقبه: الرئيس/ الأمير/ الملك/ السلطان/ الخديوي….) لا يصنع مجده، ولا هزيمته، بمفرده.
بل تصنعه تلك الدوائر التي تحيط به، وتتشابك حوله خيوطها في صمت محسوب.. وعادة ما يتحرك الحاكم داخل منظومة من الرجال الذين يتقاسمون معه الرؤية، والقرار، والهوى، والمصلحة، فيتداخل أثرهم فيه حتى يغدو من العسير التمييز بين صوته وصداهم، وبين بصيرته وصورهم التي يضعونها أمامه كلَّ صباح..
ولهذا، يمكن التعرف على خصائص الحاكم وطريقة تفكيره من تحليل خصائص رجاله، وطريقة تفكيرهم.. ومن خلال هذا التزاوج بين فكر الحاكم وفكر المحيطين به، يمكننا التعرّف على طريقة الحكم، وعلى الطريقة التي تُدار بها الأمور..
ولعلَّ تحليل النكسات المصرية، والظروف المهيِّئة لها، والمحيطة بها، يكشف عن أنَّ معظم هذه النكسات لم تولد من نوايا الحاكم، فلا يوجد حاكم يريد لنفسه الهزيمة، بل من أعين غَشِيت رؤيته، وألسنة أضلَّت منطقه، وأيد دفعته إلى الحافة وهو يظنها ترفعه إلى القمة.
لا تولد النكسات من نيَّة خبيثة لدى الحاكم، بل من دوائر مغلقة حجبت الحقيقة عنه، ومستشار مُخلِص ضلَّ في التقدير، ومن شبكة مصالح طغت على المصلحة العامة، ومن تحوِّل الحكم إلى منظومة من الولاءات الشخصية لا إلى دولة مؤسسات.
في هذه النكسات، كان تأثير المحيطين بالحاكم أكبر من تأثيره عليهم؛ كانوا هم وقود النكسة، وكان الحاكم هو الضحية، رغم كونه في مقدمة الصورة، وفي وسطها.
وتتكرر الأخطاء عبر العصور، لأنَّ الأنماط لا تتغير، وإن تغيرت الأسماء والوجوه.
ورغم ما سبق، فإنَّنا لا نعفي الحاكم من المسؤولية؛ فالنيَّة الصادقة والمخلصة وحدها لا تكفي لإنقاذ الأوطان، فكم من حاكم وطني مُخلِص أحاط نفسه ببطانة فاسدة أو عاجزة، فصنع بيده، دون أن يدري، المأساة التي حاول تجنبها.
الأنماط العامة لرجال النكسات
لعلَّ ما يلفت النظر ويسترعي الانتباه في رجال النكسات، رغم تباين المواقف، وتغير العصور، هو اشتراكها في الفعل المؤدِّي إلى النكسة بنفس الطريقة.
ما يعني أنَّ هذه أدوار وظيفية مستقرِّة تؤدِّي إلى نتيجة حتمية واحدة.. رجال الحاكم أثناء النكسات هم فريق كرة قدم متكامل؛ يقوم كلُّ لاعب فيه بدور محدَّد، ويرتكز في موضع معين من الملعب.
ويبدو وكأنَّهم يلعبون بجدِّية وإخلاص، رغم أنَّ الأهداف المتحققة عكسية، وذاتية، وفي مرمى الوطن الذي يعملون فيه.. وليس شرطاً أن تكون كلُّ عناصر الفريق موجودة في كلِّ نكسة، فقد يوجد بعض أنماطها، ويختفي بعضها، وإن كان هناك من يقوم بأدوارها، وهناك من يقوم بأكثر من دور، كما أنَّ هناك ضيوف شرف، ولاعبين احتياطيين، يظهرون حسب الحاجة إليهم.. ويمكن الإشارة إلى أهمِّ هذه الشخصيات والأدوار على النحو التالي:
المسؤول خزينة الأسرار/ رفيق الرحلة:
في كلِّ نكسة، يوجد مسؤول يكون رفيق مشوار للحاكم، وشريك الحلم معه.. ويكون قريباً منه إلى حدِّ الالتصاق، ومتفقاً معه في رؤيته إلى حدِّ التطابق.. وهذا المسؤول عادة ما يكون “مخزن أسرار” الحاكم، والمطَّلِع على كلِّ شئونه، والعالم بكلِّ خفاياه.
وهذا المسؤول عادة ما يكون “ظلّ الرئيس”، ويُنظَر إليه على أنَّه “بديل الرئيس”، والقائم الفعلي بالأمور حال غياب الرئيس أو تغيبيه.. وعادة ما يحدث في نهاية المشوار “نزاع خفي” بينهما، حول دور كلٍّ منهما في حياة الآخر، وفيما وصل إليه من مكانة.. وينتهي دور هذا المسؤول في غالب الأحوال بالاغتيال (الحقيقي)، أو (المعنوي)، أو بهما معاً.
المُنَفِّذ الأعمى/ المسؤول المطيع:
وهو مسؤول لا يفكر، ولا يسأل، بل يطيع الأوامر، حتى لو أدَّت إلى الهاوية.. هو مسؤول يجيد “هز رأسه” بالموافقة على رأي الحاكم، مهما اختلف رأيه الشخصي عنه، إن كان له رأي شخصي! هو ترس النظام الذي يقتل التفكير المستقل ويقدِّس الطاعة العمياء.. وهو ينفذ بلا روح، وبلا وعي حقيقي.
وهو يتحمل اللوم والنقد في حالة الهزيمة، ويتم تجاوز دوره في حالة الإنجاز.
هو مسؤول وُضِع في منصب يفوق قدراته، وأعلى من طموحاته، وللحفاظ عليه يطيع كلَّ ما يصدر إليه من أوامر. هو مسؤول مأمون الجانب، رغم أهمية موقعه، ولا يعتبر مصدر خطر على الحاكم، ولا يُنظَر إليه باعتباره طامعاً أو طامحاً فيما هو أعلى.. ولا يكون لهذا المسؤول مطالب صعبة أو تكلفة باهظة حين يُتخَذ القرار بالتخلص منه.
المُنجِز الغشيم/ المدير المنضبط:
ويتميز بالانضباط الشديد، والحزم، وبالقسوة في تنفيذ التكليفات، ولا ينظر إلى الأبعاد الأخرى غير المتعلقة بالإنجاز.. هو شخصية سلطوية؛ شديدة الولاء والتزلف لمن فوقها، وشديدة القسوة والتسلط على من تحته.
يحظى بثقة الحاكم، ويستطيع تمرير قراراته وفرض رؤيته، مهما كانت صعوبتها، بسبب هذه الثقة.. تتوحَّد رؤاه مع رؤى الحاكم، وطموحاته مع طموحات الحاكم.
ويعتقد أنَّه الأولى بخلافته، وأنَّه الأقرب إلى ذلك الإمكانات العقلية، والقدرات السياسية لهذا المسؤول عادة ما تكون محدودة، ولكنَّه يؤمن بالقوة والسلطة كمصدر لتحقيق التكليفات الموكلة له، أو الصادرة عنه.
ويرى نفسه التجسيد الكامل للوطن، ولا يسمع سوى صدى صوته في الميدان، ويرفض النقد كأنَّه خيانة، ويعتبر الهزيمة مؤامرة لا خطأ في القيادة، تاريخه يُكتَب بالرُّتَب لا بالنتائج، ويعتبر نفسه فوق المساءلة، وعادةً ما يتخلص منه الحاكم عند انتهاء مهمته، أو عند الشعور بالخطر الحقيقي من استمرار تواجده، أيّهما أقرب.
المبرراتي/ مستشار السوء:
وهو يمتلك قدرة لغوية ومهارة إقناعية، يوظِّفها في تجميل الخطأ، وتبرير الفشل، وهو من يجعل الخطأ يبدو قراراً استراتيجياً، والهزيمة انسحابا تكتيكياً، ويحوِّل فكره إلى زخرفة لغوية تبرِّر الواقع هو مسؤول يجيد إيجاد مخرج لفظي مناسب من الناحية الشكلية لتبرير رغبات الحاكم، ولوضع غطاء مقبول لتصرفاته.
وهو لا يعمل عملاً حقيقياً، وإن كان ظاهراً في الصورة بشكل واضح، ويرى نفسه شريكاً في المشروع، وندَّاً حقيقياً للحاكم.. وهو مسؤول يجيد العمل من وراء ستار، ويبدو في الصورة العامة رجل مطافئ، رغم أنَّه مصدر كلِّ أنواع الحرائق..
المنتفع النفعي/ الانتهازي:
هو أكثر الشخصيات خطراً على أي مشروع أو دولة، لأنَّه لا يؤمن إلا بميزان الربح والخسارة الشخصي، ولا يهمه إلا مصلحته ومكاسبه الشخصية، ولا يرى في العمل العام سوى فرصة لتضخيم مكاسبه الخاصة.
وهو شخص يتقن فن التلون والتبدُّل؛ فيرتدي ثوب المُخلِص حين تكون المصلحة في الإخلاص، ويتحول إلى ناقد شرس أو خائن حين تميل الكفة في اتجاه آخر.. وهو يجيد تزوير الوسائل، وتبديل الحقائق، وتجميل ما يجب فضحه، وتشويه ما يجب دعمه، ليبقى دائماً في موقع الرابح أيّاً كانت النتيجة وأخطر ما فيه أنه لا يُرَى بسهولة، لأنه لا يرفع راية، ولا يتخذ موقفاً واضحاً، بل يختبئ خلف الشعارات البرّاقة، ويستغل الثقة العامة..
الإعلامي المُضَلِّل/ صانع الأوهام:
يصنع رواية بديلة للواقع، ويغذي القادة بالأوهام، ويغطي الكارثة بشعارات النصر، وهو الذي يزرع العمى الجمعي، ويصنع التصفيق الزائف، وهو يصنع النصر الورقي، والهتاف المُبرمَج، ويمنح الزعيم مرآة مزيفة.. هو شخص يحترف القرب من السلطة، ويظهر الولاء المطلق، وهو من يصنع القائد المستبد عبر المديح المفرط.. وهو يطلُّ ليشرح ما لا يُشرَح، ويبرر ما لا يُبرَر، ويملك نغمة واحدة لا تتغير “الأمور تحت السيطرة”، حتى لو كانت البلاد تغرق في الأزمات..
الخبير الخائف/ الصامت:
في كلِّ نكسة، هناك من يرى الحقيقة ويعرف الخطر، ويصمت، ويختبئ خلف تقارير رمادية لا تقول شيئاً.. الخبير الصامت هو صاحب الرأي الذي لا يُقَال إلا بعد فوات الأوان، مثله مثل المثقف المنسحب، والمفكر المعتزل.
وهذا النمط لا يتخذ قراراً، بل يهرب من المواجهة، ويترك الأمور تتدهور بحجة الظروف، ويعيش في المنطقة الرمادية، ويخاف أن يُحسَب على أي طرف.. هو شخص يحمل همَّ الوطن، في قلبه، لكنَّ صوته لا يُسمَع في الزحام.. وهو شخص يُقصَى لأنَّه صادق، ويُهَاجم لأنه يحذر.
فقيه السلطان/ لاهوتي البلاط:
وظيفته إسباغ القداسة الدينية على الحاكم، مهما كانت أخطاؤه وخطاياه، وتجريم معارضته، وتحويل الخطيئة السياسية إلى قدر إلهي لا يُسأَل عنه أحد.. وينظر إلى الحاكم/ الرئيس باعتباره “ظلّ الله في الأرض”، وأن “أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”.
وهذا الفقيه لا يرى في طاعة الحاكم عبودية، بل عبادة، ولا في النقد نصيحة، بل خروجاً على الجماعة.
هو الذي يبدِّل النصوص لتناسب الموقف، ويؤول الوحي لخدمة الكرسي، ويستشهد بالتاريخ ليمنح الطغيان شرعية السلف، ويلبس عباءة الدين، لكنَّه يضع على كتفيه “نجوم” السلطة، ويمسك بيده مسبحة من ذهب مهداة من القصر.
وهو فقيه يحوِّل المنبر إلى منبر تبرير، والفتوى إلى تصريح سياسي مقدَّس؛ فإذا قامت نكسة، قال: “ابتلاء”، وإذا سقط قال: “امتحان من الله”، وإذا ارتكب الحاكم خطيئة قال: “له أجر الاجتهاد”.. ولا يجد غضاضة أن يُقال له: “فقيه السلطان” بل يعلن فخره بذلك، ويعتبره “ميزة” يجب الاعتزاز بها..
المسؤول الاستعراضي/ طاووس النظام:
يعيش أمام الكاميرا، ويظن أنَّ الإدارة مشهد تليفزيوني، و”لقطة”، و”تريند”، وأنَّ الإنجاز هو عدد الصور المنشورة له.. يزيِّن الفشل بالمجسمات واللافتات.
ويرى الشعب جمهوراً، والمؤسسة خشبة مسرح.. هو مسؤول يبالغ في ارتداء الأقنعة أمام الجماهير، ويصنع حول نفسه هالة من الإنجاز الوهمي عبر البيانات المبهرة، والمشاهد المسرحية المدروسة.. وهو أسير الضوء، ولا يحتمل الظل، ويخشى أن يُنسَى اسمه، فيسعى إلى أن يكون في كلِّ مشهد ولو بلا أثر..
الجنرال المتغطرس/ كلب النظام:
وليس شرطاً أن يتقلَّد منصباً رسمياً في هرم السلطة، فوجوده لا يرتبط بالصفة، بل بالدور الذي يؤدِّيه، فهو غالباً ما يتحرك في الظلِّ، وله وظيفة ثابتة، رغم ذلك، لا تتغير بتغير الظروف؛ وهي تأديب الخارجين على النظام، وترويعهم، والرد بالقوة الغاشمة على كلِّ مَنْ تُسلِّط له نفسه الخروج على الحاكم. ولا يتورع هذا الشخص عن استخدام أية وسيلة لتحقيق هذا الهدف. وقد يتخذ من النفوذ غير الرسمي غطاء، فيبدو أمام العامة مجرد تابع مُخلِص، بينما يعرف المقربون أنَّه الذراع الخفية التي تنزل العقاب، وترسل الرسائل الخفية: أنَّ تكلفة الاعتراض باهظة، وأنَّ تكلفة الخروج من حظيرة السلطة موجعة للغاية؛ ماديَّاً وجسديَّاً وأدبيَّاً.
جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب فقط، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف أو توجه موقع المنصة 360.


