يوم اليتيم.. مبادرة إنسانية تحتاج إلى مراجعة

طاهر برانق
في كل عام، ومع حلول أول جمعة من شهر أبريل، يتجدد الحديث عن “يوم اليتيم” بوصفه مناسبة إنسانية تهدف إلى لفت الانتباه إلى فئة تحتاج إلى الرعاية والاحتواء. ولا شك أن هذه المبادرة تحمل في جوهرها نية طيبة، بل يمكن اعتبارها من قبيل “البدع الحسنة” التي تُذكّر المجتمع بمسؤولياته الأخلاقية والإنسانية. لكن، ورغم وجاهة الهدف، يبقى السؤال: هل نُحسن تطبيق الفكرة كما ينبغي؟
من الثابت في الشريعة الإسلامية أن رعاية اليتيم ليست عملاً تطوعيًا عابرًا، بل هي واجب ديني ومقصد أصيل من مقاصد الإسلام التي تسعى إلى حفظ النفس والنسل وبناء مجتمع متماسك. وقد حثّ القرآن الكريم في مواضع عديدة على الإحسان إلى اليتيم، فقال تعالى: “فأما اليتيم فلا تقهر”، وقال أيضًا: “وأن تقوموا لليتامى بالقسط”، وهي توجيهات واضحة تؤكد أن اليتيم في قلب المنظومة القيمية الإسلامية.
غير أن تخصيص يوم بعينه للاحتفاء باليتيم يثير إشكاليتين تستحقان التأمل. الأولى تتعلق بمصطلح “اليتيم” ذاته، الذي قد يُرسّخ لدى الطفل شعورًا بالفقد أو النقص، خاصة عندما يتم تمييزه عن غيره من الأطفال في فعاليات منفصلة أو أنشطة موجهة له وحده. فبدلًا من دمجه، قد نكرّس – دون قصد – إحساسه بالاختلاف. ومن هنا، قد يكون من الأنسب إعادة التفكير في التسمية لتكون أكثر احتواءً، مثل “يوم أحباب الله”، بما يعزز الشعور بالمساواة والانتماء.
أما الإشكالية الثانية، فتتمثل في حصر الاهتمام باليتيم في يوم واحد سنويًا، وهو ما قد يحوّل الرعاية إلى طقس موسمي، بدلًا من أن تكون سلوكًا دائمًا. فاليتيم لا يحتاج إلى احتفاء عابر، بل إلى دعم مستمر، نفسيًا واجتماعيًا وتعليميًا. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية والمجتمعية في تبني برامج مستدامة تضمن دمج الأيتام في المجتمع دون تمييز أو استعراض.
إن رعاية اليتيم لا ينبغي أن تكون مناسبة لالتقاط الصور أو نشر المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يجب أن تنبع من وعي حقيقي بقيمة الإنسان وكرامته. فالإحسان الحقيقي هو ما يتم في صمت، دون منّ أو أذى، وبما يحفظ للطفل كرامته ويعزز ثقته بنفسه.
في النهاية، يظل “يوم اليتيم” مبادرة تستحق التقدير، لكنها بحاجة إلى تطوير في الشكل والمضمون، حتى تحقق هدفها الأسمى: بناء إنسان سوي يشعر بأنه جزء أصيل من المجتمع، لا حالة استثنائية تنتظر التعاطف.



