بين قانون الدولة ودولة القانون.. أي طريق نسلك؟

مراد عبد السلام المحامي بالنقض
في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن “سيادة القانون” شعارًا يتردد في خطابات المسؤولين، ووسائل الإعلام، وحتى في نقاشات الناس اليومية. لكن السؤال الأعمق والذي نتهرب كثيرًا من طرحه هو:
هل المشكلة في غياب القانون؟ أم في غياب دولة القانون؟
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الفارق بين قانون الدولة و دولة القانون ليس مسألة لغوية أو تقنية أكاديمية؛ بل هو فارق يحدد شكل حياتنا اليومية، وطريقة تعامل السلطة معنا، ومستقبل أبنائنا في هذا البلد.
بعيدا عن القانون.. البعد الإنساني في حل المشاكل قبل اللجوء للمحاكم
المشكلات التي تواجه قانون التسجيل في الشهر العقاري بالمدن الجديدة
قانون الدولة.. عندما يصبح القانون أداة سلطة
قانون الدولة هو ذلك النوع من التشريعات التي تكتبها الحكومة وتفرضها، دون أن يكون للمواطن رأي حقيقي فيها. هو قانون يمكن أن يُطبَّق بصرامة على المواطن، ويُغضَّ الطرف عنه عند المسؤول.
نرى هذه الحالة بوضوح عندما يتحول القانون إلى مجرد “نص” يُستخدم انتقائيًا، أو عندما تصبح العقوبات على الضعيف أشد من تلك التي تُطبّق على القوي.
في هذه الحالة، يفقد القانون قيمته باعتباره معيارًا للعدل، ويتحول إلى مجرد وسيلة لضبط المجتمع، وليس خدمته.
دولة القانون.. عندما يخضع الجميع للقاعدة القانونية نفسها
على النقيض تمامًا، فإن دولة القانون لا تُقاس بعدد التشريعات، بل بقدرة النظام على تطبيقها على الجميع دون استثناء.
لا يتقدم مجتمع إلا إذا شعر المواطن أن هناك مظلة واحدة تظلله:
مسؤول يتحاسب.
قاضٍ مستقل.
شرطي لا يملك أن يفرض سلطته بلا سقف.
ومواطن يعرف أن حقه محفوظ مهما كان موقعه أو إمكانياته.
دولة القانون ليست حلمًا، بل هي الخيار الوحيد إذا أردنا استقرارًا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا حقيقيًا.
بين الواقع والطموح.. سؤال ملح
لنكن صريحين: نحن نملك قوانين كثيرة ربما أكثر مما نحتاج لكننا لا نملك التطبيق المتكامل الذي يحول هذه النصوص إلى عدالة.
ليس التحدي في كتابة القوانين، بل في خلق منظومة تجعل تطبيق القانون واجبًا لا تفضّلًا، ومسؤولية لا مزاجًا.
والمؤسف أن أي دولة يمكنها أن تصدر ألف قانون، لكنها لا تستطيع أن تصنع “دولة قانون” إلا عبر إرادة سياسية، ومؤسسات قوية، وقضاء مستقل يحظى بالاحترام والثقة.
لماذا نهتم؟
لأن مستقبل كل فرد مرتبط بهذا الفارق.
دولة القانون تعني أمانًا وظيفيًا، ومساواة في الفرص، وجذبًا للاستثمار، وانخفاضًا في الفساد، وحماية للحقوق.
أما قانون الدولة دون عدالة فهو مجرد قيد جديد يُضاف إلى كاهل المواطن.
وفي نهاية القول فإن الطريق واضح
الخيارات أمامنا ليست كثيرة:
إما أن نسير خلف مقولة “ما دام هناك قانون فنحن بخير”،
وإما أن نطالب ونقاتل بالقلم والصوت والوعي من أجل الانتقال إلى “دولة قانون” حقيقية، يكون فيها المواطن مركز النظام، لا هامشه.
،كل دولة تملك قانونًا، لكن ليس كل دولة تملك دولة قانون.
والفرق… هو الفرق بين سلطة تحكم شعبًا، وشعب تحكمه العدالة.



