فنزويلا بين السيادة المنتهكة وتناقضات القانون الدولي

مراد عبدالسلام – المحامي بالنقض
ما يحدث في فنزويلا لم يعد مجرد أزمة سياسية داخلية أو انهيار اقتصادي عابر، بل أصبح كاشفًا حقيقيًا لاختلال ميزان العدالة في النظام الدولي. دولة تملك ثروات هائلة، لكنها تعاني من صراع على الشرعية، وانقسام داخلي، وضغوط خارجية تُمارَس باسم القانون الدولي، بينما تنتهكه في جوهرها.
من حيث المبدأ، يقوم القانون الدولي على ركيزتين أساسيتين: سيادة الدول وحماية حقوق الإنسان. الإشكالية في الحالة الفنزويلية أن السلطة الحاكمة تتذرع بالسيادة لتبرير القمع السياسي، وتقييد الحريات، والطعن في نزاهة العملية الانتخابية، في مخالفة صريحة لالتزاماتها بموجب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وهنا تسقط “السيادة” من كونها حقًا مشروعًا إلى كونها ستارًا لانتهاك الحقوق.
اقرأ أيضا..
حين يصبح الرأي العام خصمًا للعدالة
قانون الإجراءات الجنائية الجديد: ماله وما عليه
في المقابل، لا يبدو سلوك المجتمع الدولي – وعلى رأسه الولايات المتحدة – أكثر التزامًا بالقانون. فالعقوبات الاقتصادية الواسعة، ومحاولات فرض شرعية بديلة، والحديث عن القبض على رئيس دولة بالقوة، تمثل جميعها تجاوزًا خطيرًا لقواعد القانون الدولي، خاصة ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة أو التهديد بها إلا في أضيق الحدود وبشروط صارمة.
القبض على رئيس دولة ذات سيادة داخل إقليمها دون تفويض من مجلس الأمن أو حكم قضائي دولي مختص، لا يمكن تبريره قانونيًا تحت أي شعار. فالرؤساء يتمتعون بحصانة دولية طالما كانوا في مناصبهم، وأي مساس بهذه الحصانة خارج الأطر القضائية الدولية يُعد عدوانًا لا إجراءً قانونيًا. حماية الديمقراطية لا تمنح الدول حق انتهاك سيادة غيرها، تمامًا كما أن السيادة لا تمنح الحكومات حق سحق شعوبها.
وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية: سلطة داخلية توظف السيادة ضد مواطنيها، وقوى دولية توظف حقوق الإنسان كأداة ضغط سياسي لا كقيمة قانونية ثابتة. وبين هذا وذاك، يبقى الشعب الفنزويلي هو الضحية، محاصرًا بين القمع من الداخل والعقوبات من الخارج.
الخلاصة يا سادة إن أزمة فنزويلا ليست فشل دولة فقط، بل فشل منظومة دولية تدّعي حماية القانون بينما تطبقه بانتقائية. فنصوص القانون الدولي تبدو مثالية على الورق، لكنها في الواقع خاضعة لموازين القوة، حيث يصبح “القانون” قويًا مع الضعفاء، وضعيفًا أمام الأقوياء.



