قرار غير مدروس

النائبة أميرة أبوشقة عضو مجلس النواب المصري
القرار غير المدروس، مهما حسنت نواياه، يتحول سريعًا من أداة إصلاح إلى عامل اضطراب، ومن وسيلة تنظيم إلى سبب مباشر للبلبلة وفقدان الثقة، وهو ما يلحظه الشارع المصري، من خلال أنماط مختلفة من قرارات حكومية ووزارية تصدر متعجلة، أو متناقضة، أو منزوعة الصلة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، فتُربك الناس بدلًا من طمأنتهم، وتُعقّد المشكلات بدل حلِّها.
لعل جوهر الأزمة أنها لا تقتصر على قرار واحد خاطئ، بل تتجاوز ذلك إلى تكرار الأخطاء، أو صدور أكثر من قرار للوزير ذاته، في القضية نفسها، ثم التراجع عنه أو تعديله خلال فترة وجيزة.. أي علاج خطأ بخطأ آخر!
تداعيات تشير إلى غياب التخطيط المسبق، وافتقار دوائر صُنع القرار إلى آليات اختبار الأثر قبل التطبيق، إذ أن القرار العام ليس معمل تجارب، بل إجراء يمسّ حياة ملايين المواطنين، ويؤثر في استقرارهم النفسي والمعيشي.
وبالحديث عن بعض القرارات التي تتعلق بعدة قطاعات جماهيرية، نجد أنه في قطاع التعليم، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح لافت، حيث تعاقبت أنظمة تعليمية متباينة، خلال سنوات قليلة، وتغيرت أساليب التقييم والامتحانات، وتبدَّلت فلسفة المناهج، دون أن يُمنح المعلم أو الطالب أو ولي الأمر الوقت الكافي للاستيعاب أو التكيف.
وهناك قرارات صدرت بشأن الثانوية العامة أو نظام التقييم الإلكتروني، عُدِّل أو جُمِّد أو تم إرجاؤه، مما خلق شعورًا عامًا بالارتباك وانعدام العدالة، دون اعتبار أن التعليم مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، لا يحتمل هذا القدر من التجريب المتعجل، ولا يصح أن يُدار بعقلية ردود الأفعال.
أما في قطاع الصحة، فإن القرارات غير المدروسة قد تكون أكثر كلفة وخطورة، فعندما تصدر تعليمات تنظيمية أو إدارية تمسّ المستشفيات الحكومية، أو آليات العلاج على نفقة الدولة، أو منظومة التأمين الصحي، دون استعداد كافٍ في البنية التحتية أو الكوادر الطبية، فإن النتيجة تكون ضغطًا مضاعَفًا على المنظومة، واستياءً شعبيًا مشروعًا.
في الفترة الأخيرة، شهدنا اللغط الحاصل بشأن ملف تكليف الخريجين، تزامنًا مع قرارات تتعلق بتسعير بعض الخدمات، أو تنظيم صرف الأدوية، أو إعادة هيكلة وحدات صحية، ثم تبين لاحقًا عدم قابليتها للتنفيذ العملي، ما استدعى التراجع أو الالتفاف عليها بقرارات فرعية.
في وزارة التموين ـ التي تمسّ قراراتها لقمة العيش اليومية ـ تتضاعف حساسية القرار، فقرارات حذف أو إضافة مستفيدين من منظومة الدعم، أو تعديل أسعار السلع التموينية، أو تغيير آليات الصرف، كثيرًا ما تصدر دون تمهيد كافٍ أو شرح وافٍ، فيجد المواطن نفسه أمام تعليمات متغيرة، وإجراءات معقدة، ورسائل متضاربة بين جهة وأخرى، وعندما يتعارض قرار «التموين» مع توجهات «التضامن» أو السياسات النقدية، دون تنسيق واضح، تتفاقم البلبلة، ويشعر المواطن أن الدولة تخاطبه بأصوات متعددة، لا برؤية واحدة.
لعل الخطورة تكمن في تعارض القرارات بين بعض الوزارات في الموضوع الواحد، فقد تتبنى وزارة ما سياسة تقشفية، بينما تُصدر وزارة أخرى قرارات معاكسة، أو تفرض جهة ما رسومًا جديدة، في الوقت الذي تحاول فيه جهة أخرى تخفيف الأعباء.. وهذا التناقض لا يعكس فقط ضعف التنسيق، بل يُفقد القرار هيبَته، ويُضعف ثقة المواطن في كفاءة الإدارة العامة.
إن القرار الرشيد لا يُقاس بسرعة صدوره، بل بعمق التفكير الذي سبقه، وبوضوح الأهداف التي يسعى إليها، وبالقدرة على توقع آثاره الجانبية، كما أنه نتاج عمل جماعي، لا اجتهاد فرديًّا معزولًا، ولذلك فإنه من دون دراسات جدوى حقيقية، وحوار مجتمعي صادق، وتكامل مؤسسي فاعل، ستظل القرارات غير المدروسة عبئًا على الدولة، ومصدر قلق دائم للمجتمع.
أخيرًا.. إن استعادة ثقة الناس لا تكون بالشعارات، أو بانتقاد شائعاتٍ قد تكون ناجمة عن تضارب القرارات، وبالتالي تصدير المشكلة للمواطن على أنه مصدر لتلك الشائعات، لذلك ينبغي أن تكون القرارات محسوبة، ومتسقة، وقابلة للتنفيذ.. تحترم عقل المواطن وتراعي واقعه، فالدولة القوية لا تُقاس بكثرة قراراتها، بل بحكمة ما تتخذه منها، وبقدرتها على أن تجعل القرار أداة للاستقرار.
المقال نقلا عن الصفحة الرسمية للنائبة أميرة أبوشقة


