إسلام آباد تتحدى الضغوط وتتمسك بطهران

المنصة360
في مشهد يعكس تحولات متسارعة في التوازنات السياسية الإقليمية، برز موقف شهباز شريف كرسالة واضحة تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية، ليصل إلى مستوى إعادة رسم ملامح العلاقة مع إيران. جاء ذلك بالتزامن مع تصعيد في لهجة دونالد ترامب، الذي حاول استخدام أدوات الضغط السياسي لعزل طهران، إلا أن الرد الباكستاني حمل دلالات مختلفة تماماً عما كان متوقعاً.
لغة الأخوة تكسر حسابات الضغط
في اتصال لافت مع مسعود بزشكيان، اختار شهباز شريف توصيف نظيره الإيراني بـ“الأخ”، وهي مفردة تتجاوز البروتوكول المعتاد في العلاقات الدولية. هذا الوصف لم يكن عابراً، بل يعكس رغبة واضحة في تثبيت شراكة قائمة على الاحترام المتبادل، في لحظة كانت فيها واشنطن تراهن على عزل طهران سياسياً. كما عبّر شريف عن تقديره للوفد الإيراني الذي زار إسلام آباد، في خطوة أعادت التوازن للعلاقات الثنائية وأكدت أن قنوات التواصل بين البلدين لا تزال مفتوحة بقوة.

هذا التحرك جاء عقب قرار مفاجئ من ترامب بإلغاء زيارة مبعوثيه، ومن بينهم جاريد كوشنر، في خطوة فُسرت على أنها محاولة للضغط على باكستان وإحراج إيران. غير أن الرد الباكستاني بدا وكأنه يعيد صياغة المشهد بالكامل، حيث تحولت لغة التهديد إلى فرصة لتعزيز التقارب بدل إضعافه.
رسائل مبطنة تتجاوز الوساطة التقليدية
لم يكتفِ شريف بالتأكيد على دور بلاده في التواصل، بل اختار توصيفاً دقيقاً حين أشار إلى أن باكستان تتحرك كطرف “نزيه وصادق”، بدلاً من الاكتفاء بوصف “الوسيط”. هذا التوصيف يحمل في طياته رسالة سياسية موجهة إلى واشنطن، مفادها أن باكستان لن تكون مجرد قناة لنقل الرسائل أو تنفيذ الإملاءات، بل شريكاً فاعلاً يحترم سيادة الدول ويوازن بين المصالح الإقليمية.
هذا الموقف يعكس أيضاً إدراكاً متزايداً لدى إسلام آباد بأن دورها الإقليمي لا يمكن اختزاله في الاصطفاف خلف سياسات القوى الكبرى، بل يتطلب هامشاً مستقلاً من الحركة، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة.
قرار الإلغاء… نتائج عكسية
الرهان الأمريكي على أن إلغاء الزيارة سيؤدي إلى ممارسة ضغط إضافي على طهران أو إحراج إسلام آباد لم يتحقق بالشكل المتوقع. على العكس، بدا أن هذه الخطوة أسهمت في تسريع وتيرة التنسيق بين باكستان وإيران، حيث تكثفت الاتصالات وتزايدت مؤشرات التقارب السياسي.
مصادر مطلعة أشارت إلى أن الجانبين توصلا إلى تفاهمات أوسع تتعلق بتعزيز الاستقرار الإقليمي، والعمل على تجنب أي تصعيد قد يهدد أمن الحدود المشتركة أو المصالح الاستراتيجية. كما تعهدت باكستان بالاستمرار في لعب دور نشط يهدف إلى تهدئة التوترات، بعيداً عن ما وصفته بعض التحليلات بـ“المغامرات غير المحسوبة”.
محور يتشكل خارج المظلة الأمريكية
من اللافت أيضاً أن شريف ألمح إلى وجود دعم من شركاء دوليين، في إشارة إلى كل من روسيا وسلطنة عمان. هذه الإشارة تعكس احتمال تشكل محور سياسي يسعى إلى حماية التوازنات الإقليمية ومنع فرض ضغوط أحادية الجانب على إيران.
هذا التوجه لا يعني بالضرورة قيام تحالف تقليدي، لكنه يكشف عن تقاطع مصالح بين عدة أطراف ترى أن الاستقرار في المنطقة يتطلب تعددية في مراكز القرار، وليس هيمنة طرف واحد. كما يشير إلى أن التحركات الدبلوماسية لم تعد تدار فقط عبر القنوات التقليدية، بل باتت تعتمد على شبكات معقدة من العلاقات المتداخلة.
و تكشف هذه التطورات عن مرحلة جديدة في العلاقات الإقليمية، حيث تتزايد قدرة الدول على المناورة ورفض الضغوط الخارجية. وبينما تستمر واشنطن في محاولة فرض رؤيتها، يبدو أن قوى إقليمية مثل باكستان وإيران تعيد رسم قواعد اللعبة بما يتناسب مع مصالحها، في مشهد يعكس عالماً أكثر تعددية وتعقيداً.



