انقسامات تعصف بأمريكا قبل احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى 250 لتأسيسها
لا تزال بيتسي هالسي (63 عاما) تحتفظ في غرفة نوم طفولتها بمنزل والديها بتذكارات من احتفالات الولايات المتحدة عام 1976 بالذكرى المئوية الثانية لتأسيسها، لكن المعلمة المتقاعدة تشعر بالاستياء الشديد من الرئيس دونالد ترامب لدرجة أنها ترفض الاحتفال بالذكرى 250 لتأسيس البلاد.
وقالت هالسي التي كثيرا ما تصوت للديمقراطيين وتعيش في دويلزتاون بولاية بنسلفانيا “لا أريد أن احتفل مع أشخاص يشعرون بالحماس للوجهة التي تسير إليها بلادنا”.
في المقابل، يستعد الجمهوري دان مارازو (70 عاما) وهو صاحب مغسلة ملابس ويعيش في لانجهورن مانور القريبة، للاحتفال ويعتقد أن الولايات المتحدة تزدهر في عهد ترامب، وسيحتفل بهذه المناسبة بطهو الطعام للأصدقاء والعائلة.
وقال “أفقر شخص في الولايات المتحدة يتمتع بمستوى معيشة أفضل من بعض أغنى الناس في بقية أنحاء العالم”.
وفي الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة للاحتفال بالذكرى 250 لإعلان استقلالها عن بريطانيا العظمى في الرابع من يوليو تموز 1776، تشكل الانقسامات السياسية التي ميزت عهد ترامب اختبارا حقيقيا لما يعتبر طقسا صيفيا يتوحد فيه الشعب، وهو الاحتفال بتأسيس البلاد بالألعاب النارية وتنظيم المسيرات ونشر الزينة الحمراء والبيضاء.

ومع بصمات ترامب الواضحة على الفعاليات الرسمية، وفي ظل ولايته الثانية التي اتسمت بسياسات مثيرة للانقسام في ملفات الهجرة والاقتصاد والسياسة الخارجية، يجد كثير من الأمريكيين صعوبة في الفصل بين السياسة وأجواء الاحتفال.
وقالت بيفرلي جيج المؤرخة بجامعة ييل “أصبحت فكرة الاحتفال بحد ذاتها مسيسة وحزبية… الأمر اللافت في هذه المرحلة هو مدى انتشار التشاؤم”.
وأظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إبسوس أن واحدا من كل خمسة أمريكيين لن يحتفل بيوم الاستقلال هذا العام، بمن فيهم ربع الديمقراطيين وثمانية بالمئة من الجمهوريين. ولا يعتقد اثنان من كل خمسة أن البلاد ستستمر 250 عاما أخرى.
ولفهم مشاعر الأمريكيين تجاه الذكرى السنوية بصورة أفضل، أجرت رويترز مقابلات مع أكثر من عشرين من السكان والناشطين والمؤرخين والمسؤولين المنتخبين في مقاطعة باكس حيث يعيش مارازو وهالسي.
ولم تكن مقاطعة باكس تتمتع في السابق بأهمية سياسية، أما اليوم فهي نموذج مصغر للانقسامات الثقافية والحزبية التي تعصف بالولايات المتحدة. فهي منطقة منقسمة بشدة في ولاية بنسلفانيا المتأرجحة في الانتخابات، وهي مقاطعة فاز بها ترامب بفارق أقل من 300 صوت من أصل حوالي 400 ألف صوت في 2024.
بصمة ترامب في احتفالات الولايات المتحدة بالتأسيس
جعل ترامب نفسه محور احتفالات الولايات المتحدة بذكرى تأسيسها.
أطلق البيت الأبيض في العام الماضي (فريدام 250)، وهي شراكة بين القطاعين العام والخاص، لتنظيم فعاليات الذكرى السنوية على الرغم من وجود (أمريكا 250)، وهي لجنة مفوضة من الكونجرس أمضت سنوات في التخطيط للأنشطة.
والحدث الأبرز لفريدام 250 هو (جريت أمريكان ستيت فير)، وهو معرض يستمر أسبوعين في ناشونال مول. وأطلق ترامب الفعالية بتجمع أقرب إلى مهرجان انتخابي، وسيُقيم تجمعا ثانيا في الرابع من يوليو تموز، مما أثار انتقادات بأنه يحول احتفال الأمة إلى حدث سياسي.
رفضت عدة ولايات ذات أغلبية ديمقراطية وعدد من الفرق الموسيقية المشاركة في المعرض بسبب مخاوف من ارتباطه الوثيق بترامب. وفي غضون ذلك، تخطط دار سك العملة الأمريكية لإصدار عملة ذهبية تذكارية تحمل صورة ترامب.
وفي مقاطعة باكس، قالت تابيثا ديل أنجلو إنها تشعر بخيبة أمل كبيرة من المسار الذي تسلكه البلاد في عهد ترامب لدرجة أنها لا تعتزم الاحتفال بيوم الاستقلال وهو أمر كانت تفعله عادة.
وقالت الأستاذة الجامعية البالغة من العمر 56 عاما “أحب بلدي. وفخورة بأني أمريكية… لكن هذا الشكل من الاحتفال لا أشعر أنه يعبر عن أمريكا، بل يبدو احتفاء بترامب”.
أشهر مواقع حرب الاستقلال في احتفالات الولايات المتحدة بالتأسيس
تضم مقاطعة باكس، ببلداتها النهرية الساحرة ومناطقها الحرجية وأراضيها الزراعية، عددا من أشهر مواقع حرب الاستقلال الأمريكية. إلا أن المقاطعة شهدت أيضا انقسامات حادة بسبب مزاعم غير مُثبتة حول تزوير الانتخابات، ونزاعات حول حظر كتب، واحتجاجات بشأن المناهج الدراسية للتاريخ الأمريكي.
قال السكان في المقابلات إن المناسبة، رغم ما تحمله عادة من رمزية تتعلق بالهوية الوطنية والتاريخ المشترك، لم تفعل الكثير لتقليل مخاوفهم بشأن الانقسامات على المستويين المحلي والوطني.
وكان كثيرون يطرحون أسئلة تمس جوهر معنى أن تكون أمريكيا: هل لا تزال هناك مبادئ توحد البلاد؟ أم أن الانقسام الحزبي بلغ حدا يجعل البعض يقدم الولاء الحزبي على الانتماء الوطني؟
في المقابل، لا يفهم جيم وورثينجتون (69 عاما)، وهو من مؤيدي ترامب ومالك ناد صحي، سبب عزوف أي شخص عن المشاركة في احتفالات الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة. فهو يعتقد أن بقاء البلاد طوال هذه المدة إنجاز يستحق الاحتفاء بغض النظر عمّن يتولى الرئاسة.
وقال وورثينجتون “هذا احتفال بمرور 250 عاما على التاريخ، وأعظم تجربة في تاريخ العالم”.
كيف نروي التاريخ؟
يشير المؤرخون إلى أن الاحتفالات السابقة بذكرى تأسيس الولايات المتحدة تزامنت أيضا مع لحظات مضطربة. ففي عام 1876، كانت البلاد تعاني من تداعيات الحرب الأهلية التي اندلعت قبل عقد من الزمن، وفي عام 1976، هزت حرب فيتنام وفضيحة ووترجيت الثقة في الحكومة.
وقالت جيج المؤرخة في جامعة ييل “أدرك تماما أن الناس غالبا ما يخطئون في تقييم اللحظة التاريخية التي يعيشونها… فكثير من أشد فترات الأزمات في أمريكا أعقبتها تحولات عميقة”.
وفي منتزه واشنطن كروسينج التاريخي في مقاطعة باكس، تذكر لوحة حجرية الزوار بما حدث هناك في عام 1776، عندما قاد جورج واشنطن قواته خلال عاصفة ثلجية عبر نهر ديلاوير لشن هجوم مفاجئ على قوات ألمانية متحالفة مع بريطانيا في نيو جيرزي، مما أدى إلى تغيير مجرى الحرب.
وقالت جينيفر مارتن، المديرة التنفيذية للمنظمة غير الربحية التي تشرف على المتنزه، إنه قبل الذكرى 250، أجرت الحديقة بحثا حول مساهمات النساء والجنود السود والمدنيين في المجهود الحربي استجابة لاستفسارات الناخبين.
وأكدت أن نهجهم كان دائما غير مسيس.
وقالت “من المهم أن نروي قصصا دقيقة، وألا نسمح للمناخ السياسي بالتأثير على كيفية سردنا للروايات التاريخية”.
ويعتقد جون جودزيبا، وهو شرطي متقاعد جسد دور واشنطن في عروض إعادة تمثيل معركة واشنطن كروسينج لأكثر من 15 عاما، أن معظم الأمريكيين سيرحبون بهذه المناسبة، ولو ليوم واحد فقط.
قال “ربما في الخامس من يوليو سيعودون إلى غضبهم وسخطهم على البلاد. لكنني أعتقد أنهم سيكونون هنا في الرابع من يوليو”.



