“دلسي” خليفة مادورو.. هل يحكم النمر الجنرالات؟

مركز أبحاث المنصة 360
بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله قسرًا إلى الولايات المتحدة، دخلت فنزويلا مرحلة سياسية شديدة الحساسية، اتسمت بفراغ مفاجئ في قمة السلطة.
وفي استجابة سريعة، أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارًا بتكليف دلسي رودريغيز، نائبة الرئيس الذي كان يصفها بـ”النمر”، بتولي مهام رئاسة الجمهورية بشكل مؤقت.
غير أن هذا الانتقال، وإن بدا دستوريًا من الناحية الشكلية، يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول قدرة رودريغيز على ترسيخ سلطتها داخل نظام سياسي–عسكري معقّد.
اقرأ أيضا..
مادورو من سائق حافلة إلى رئيس فنزويلا.. حكاية صعود وسقوط (بروفايل)
سؤال الساعة.. هل كان اعتقال أمريكا لمادورو قانونيا؟
تمتلك دلسي رودريغيز رصيدًا سياسيًا خاصًا داخل النواة الصلبة للنظام البوليفاري، يعود في جزء كبير منه إلى إرثها العائلي.
فوالدها، خورخي رودريغيز، كان أحد رموز اليسار الفنزويلي وقُتل تحت التعذيب في سبعينيات القرن الماضي، وهو ما منح العائلة مكانة رمزية داخل التيار الشافيزّي.
هذا الإرث أسهم في بناء علاقة وثيقة بين رودريغيز ونيكولاس مادورو، الذي اعتبرها واحدة من أكثر الشخصيات ولاءً وصلابة في الدفاع عن المشروع السياسي القائم.
كما يعزز موقع شقيقها، خورخي رودريغيز، على رأس الجمعية الوطنية، من قدرتها على التنسيق بين مؤسسات الحكم في مرحلة انتقالية دقيقة.
على المستوى السياسي والدبلوماسي، راكمت رودريغيز خبرة واسعة من خلال توليها مناصب محورية، أبرزها وزارة الخارجية بين عامي 2014 و2017، ثم رئاسة الجمعية التأسيسية.
وخلال تلك الفترة، لعبت دورًا هجوميًا في مواجهة الضغوط الدولية، مع الحفاظ على قنوات تواصل فعالة مع حلفاء فنزويلا الاستراتيجيين، لا سيما روسيا والصين.
هذا المزيج من الخطاب الأيديولوجي الصلب والبراغماتية الدبلوماسية منحها حضورًا دوليًا يفتقده كثير من القادة العسكريين داخل النظام.
اقتصاديًا، تمثل رودريغيز حالة مختلفة داخل منظومة الحكم، إذ جمعت بين إدارة الملفات المالية والنفطية في واحدة من أصعب مراحل العقوبات.
وبصفتها النائبة الأولى للرئيس والمشرفة فعليًا على وزارتي المالية والنفط، اضطلعت بدور محوري في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.
انتهجت سياسات براغماتية شملت فتح مسارات بديلة لبيع النفط، وتسهيل التعامل بالدولار داخل الاقتصاد المحلي، في محاولة لتجنب الانهيار الكامل.
هذا النهج جعلها مقبولة، نسبيًا، لدى بعض الدوائر الدولية التي تبحث عن استقرار اقتصادي، حتى وإن اختلفت معها سياسيًا.
لكن التحدي الأكبر أمام رودريغيز يبقى المؤسسة العسكرية. ففي فنزويلا، لا يمكن لأي قيادة مدنية أن تحكم دون دعم القوات المسلحة البوليفارية.
ورغم ظهورها محاطة بقيادات عسكرية في أول خطاب رسمي لها، في إشارة واضحة إلى الدعم المؤقت، فإن الحفاظ على هذا الغطاء على المدى الطويل يظل اختبارًا حقيقيًا.
ويُنظر إليها داخل الجيش بوصفها شخصية قادرة على تأمين الموارد المالية في ظل العقوبات، وهو عامل حاسم لاستمرار الولاء.
في المقابل، تتبع رودريغيز استراتيجية مزدوجة في التعامل مع الخارج؛ فهي تحافظ على خطاب حاد ضد الولايات المتحدة، مع إبقاء قنوات تفاوض غير معلنة مفتوحة. هذا التوازن الدقيق بين الشرعية الداخلية والمرونة الخارجية سيحدد مستقبلها السياسي، كما سيحدد ما إذا كانت قادرة على التحول من «رئيسة مؤقتة» إلى مركز ثقل حقيقي في معادلة الحكم الفنزويلية، أم ستظل مجرد حل انتقالي في انتظار تسوية أوسع.



