صراع طهران الخفي يربك مفاوضات واشنطن

المنصة360
في خضم تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الضغوط الدولية، عادت إيران إلى واجهة المشهد السياسي العالمي، ليس فقط بسبب تعقيدات ملفها النووي، بل أيضًا نتيجة ما يُثار حول وجود انقسامات داخل دوائر صنع القرار. وبينما تتحدث تقارير إعلامية غربية عن تصدع في هرم القيادة الإيرانية، خرج علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، بتصريحات حادة حملت رسائل سياسية مزدوجة، موجهة للخارج والداخل على حد سواء.
ولايتـي يرد: “نحن موحدون”
في تصريح أثار جدلاً واسعًا، نفى ولايتي بشكل قاطع وجود أي انقسام داخل القيادة الإيرانية، مؤكدًا أن بلاده تقف على أرضية صلبة من التماسك السياسي. ولم يكتفِ بذلك، بل صعّد لهجته تجاه خصوم إيران، واصفًا إياهم بما أسماه “الجبهة الصهيونية العربية الأمريكية”، في إشارة إلى تحالفات إقليمية ودولية ترى طهران أنها تستهدفها بشكل مباشر.

واستخدم ولايتي خطابًا هجوميًا، مشيرًا إلى ما اعتبره تناقضات داخل المعسكر الغربي، مستشهدًا بخلافات تاريخية مثل النزاع بين المملكة المتحدة والأرجنتين حول جزر مالفيناس، إضافة إلى التباينات المتكررة بين أوروبا والولايات المتحدة. الرسالة التي أراد إيصالها بدت واضحة: إيران متماسكة، بينما يعاني خصومها من التشتت والانقسام.
تقارير غربية: صراع داخل طهران
في المقابل، نقلت صحيفة The New York Times رواية مغايرة تمامًا، مشيرة إلى أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تواجه جمودًا حادًا بسبب صراعات داخلية بين أجنحة النظام. ووفقًا لهذه التقارير، فإن تيارًا متشددًا داخل الحرس الثوري يرفض أي توجه نحو التفاوض، معتبرًا أن تقديم تنازلات لواشنطن يمثل تهديدًا لمبادئ الثورة.
في المقابل، يُنسب إلى شخصيات سياسية مثل محمد باقر قاليباف تبني نهج أكثر براغماتية، يقوم على السعي إلى اتفاق يخفف من وطأة العقوبات الاقتصادية. هذا التباين بين التيارين يعكس، بحسب محللين، صراعًا حقيقيًا بين منطق الأيديولوجيا ومتطلبات الواقع الاقتصادي.
لغة رمزية تخفي أزمة عميقة
في محاولة لتعزيز الخطاب المعنوي، لجأ ولايتي إلى تعبيرات ذات طابع رمزي، واصفًا إيران بأنها “قلب العالم”، في إشارة إلى مكانتها الجيوسياسية ودورها الإقليمي. غير أن هذا الخطاب، رغم قوته البلاغية، يراه بعض المراقبين محاولة لصرف الانتباه عن أزمة اقتصادية متفاقمة تعاني منها البلاد.
فمع استمرار العقوبات وتراجع العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم، يزداد الضغط الداخلي على صناع القرار. ويرى التيار البراغماتي أن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لم يعد خيارًا، بل ضرورة لتجنب تداعيات اقتصادية قد تهدد استقرار النظام نفسه.
مضيق هرمز.. نقطة التحول
جاء إلغاء الاجتماع الأخير بين واشنطن وطهران ليضيف مزيدًا من الغموض إلى المشهد، خاصة أنه تزامن مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ويرى محللون أن هذا الإلغاء لم يكن مجرد صدفة، بل نتيجة مباشرة لتغلب التيار المتشدد مؤقتًا، في محاولة لتعطيل أي تقارب قد يحد من نفوذه.
ويشير هؤلاء إلى أن الحرس الثوري يمتلك أدوات قوية للتأثير على مسار السياسة الخارجية، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن القومي. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرته على الاستمرار في هذا النهج، في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
في النهاية، تبدو إيران أمام مفترق طرق حاسم، حيث يتقاطع الصراع الداخلي مع التحديات الخارجية، لتتشكل معادلة معقدة يصعب التنبؤ بمآلاتها. وبين خطاب يؤكد الوحدة، وواقع تشير معطياته إلى خلافات عميقة، تبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف ما إذا كانت طهران ستتجه نحو التهدئة أم التصعيد.



