تكنولوجياأخر الأخبار

الشاشات والإدمان… خطر صامت يهدد الأطفال والمراهقين

محمد يس

في دراسة علمية حديثة تحمل دلالات مقلقة، ربط باحثون من كلية ويل كورنيل للطب بين الإدمان الرقمي وارتفاع معدلات التفكير والسلوك الانتحاري لدى المراهقين. الدراسة، التي نُشرت في مجلة JAMA، اعتمدت على متابعة طويلة الأمد لأكثر من أربعة آلاف طفل ضمن مشروع دراسة تطور الدماغ الإدراكي للمراهقين، لتكشف عن علاقة معقدة بين استخدام الشاشات والصحة النفسية في مرحلة عمرية شديدة الحساسية.

إدمان مبكر… أرقام تتجاوز التوقعات

مع وصول المشاركين إلى سن الرابعة عشرة، أظهرت النتائج انتشاراً لافتاً لأنماط الاستخدام المفرط للتكنولوجيا. فقد تبين أن نحو 33% من المراهقين أظهروا سلوكيات تشير إلى إدمان مواقع التواصل الاجتماعي، فيما بدا على 25% منهم الاعتماد الزائد على الهواتف الذكية، بينما انجذب 40% بشكل كبير إلى ألعاب الفيديو.

هذه الأرقام تعكس واقعاً يتجاوز التصورات التقليدية حول “الاستخدام العادي”، خاصة أن هذه المرحلة العمرية تمثل فترة حاسمة في تطور الدماغ وبناء الهوية النفسية. ويرى الباحثون أن التعرض المكثف والمبكر لهذا النوع من المحفزات الرقمية قد يترك آثاراً طويلة الأمد على التوازن النفسي والسلوكي.

ليست الساعات وحدها… نوعية الاستخدام تحسم التأثير

توضح البروفيسورة يونيو شياو، المشرفة على الدراسة، أن الخطر لا يكمن فقط في عدد الساعات التي يقضيها المراهق أمام الشاشة، بل في طبيعة هذا الاستخدام. فالمراهق الذي يلجأ إلى الهاتف كوسيلة للهروب من القلق أو الضغوط النفسية يكون أكثر عرضة للتأثر السلبي، حتى لو كان زمن الاستخدام محدوداً.

بمعنى آخر، قد تكون ساعة واحدة من التفاعل مع محتوى سلبي أو ضاغط نفسياً أكثر ضرراً من ساعات أطول من الاستخدام الإيجابي، مثل التعلم أو التواصل الصحي. هذه النتيجة تعيد توجيه النقاش من “كم من الوقت؟” إلى “كيف ولماذا يُستخدم؟”.

كيف تم قياس الإدمان الرقمي؟

اعتمد فريق البحث على استبيانات دورية شاملة صُممت لرصد أنماط السلوك الرقمي لدى الأطفال والمراهقين. تضمنت هذه الاستبيانات أسئلة دقيقة مثل: هل تفكر باستمرار في استخدام الهاتف؟ هل تشعر بالتوتر عند منعه؟ وهل حاولت التوقف وفشلت؟

من خلال تتبع الإجابات على مدى سنوات، تمكن الباحثون من بناء صورة متكاملة تربط بين تصاعد مؤشرات الإدمان الرقمي وتدهور الحالة النفسية. كما تم ربط هذه البيانات بتقارير عن أعراض الاكتئاب والقلق، ما أتاح فهماً أعمق للعلاقة بين العالم الرقمي والحالة الذهنية للمراهقين.

مؤشرات خطيرة… من الأفكار إلى السلوك

أحد أبرز ما كشفته الدراسة هو الارتباط الواضح بين الإدمان الرقمي وميول الانتحار. فقد أفاد 18% من المشاركين بوجود أفكار انتحارية، بينما أشار نحو 5% إلى أنهم خططوا أو أقدموا بالفعل على سلوكيات مرتبطة بذلك.

هذه النسب، وإن بدت محدودة ظاهرياً، إلا أنها تحمل دلالات خطيرة عند ربطها بمستويات الاستخدام الرقمي المرتفعة، خاصة بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. ويؤكد الباحثون أن هذه العلاقة لا تعني بالضرورة أن التكنولوجيا هي السبب الوحيد، لكنها عامل مؤثر ضمن منظومة معقدة من الضغوط النفسية والاجتماعية.

تصاعد الاستخدام… وتراجع الصحة النفسية

خلال فترة الدراسة الممتدة لأربع سنوات، ارتفع متوسط استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من نحو 7 دقائق يومياً إلى أكثر من 70 دقيقة، وهو تحول كبير يعكس التغير السريع في أنماط الحياة الرقمية. هذا الارتفاع تزامن مع زيادة ملحوظة في أعراض الاكتئاب بين المشاركين، ما يعزز فرضية وجود علاقة ترابطية بين الأمرين.

كما كشفت البيانات عن مؤشرات سلوكية مقلقة؛ إذ أقر 47% من الأطفال بين 11 و12 عاماً بأنهم يفقدون الإحساس بالوقت أثناء استخدام الهاتف، بينما قال 25% من المراهقين بين 12 و13 عاماً إنهم يستخدمون مواقع التواصل للهروب من مشكلاتهم. هذه الأنماط، بحسب الباحثين، قد تكون علامات مبكرة على اضطرابات نفسية أعمق.

تحذيرات علمية… والتدخل المبكر ضرورة

يشدد الدكتور جايسون ناغاتا على أن الاعتماد على مدة استخدام الشاشة فقط كمؤشر للخطر يُعد تبسيطاً مضللاً. فالاستخدام الرقمي قد يكون مفيداً في بعض السياقات، لكنه قد يتحول إلى عامل خطر إذا ارتبط بالإدمان أو العزلة أو الهروب من الواقع.

لذلك، يدعو الباحثون الآباء والمعلمين والمتخصصين إلى التركيز على العلامات السلوكية والنفسية المرتبطة بالاستخدام، وليس فقط الوقت المستغرق. فالتدخل المبكر، سواء عبر التوعية أو الدعم النفسي، يمكن أن يلعب دوراً حاسماً في حماية المراهقين من مسارات قد تتطور إلى أزمات خطيرة.

تؤكد هذه الدراسة أن العالم الرقمي، رغم فوائده الكبيرة، يحمل وجهاً آخر يتطلب وعياً ومتابعة دقيقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحة الأجيال الناشئة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى