لماذا لا تنخفض الأسعار رغم تراجع الدولار؟ خبراء يكشفون الأسباب الحقيقية وراء استمرار الغلاء

رغم التراجع الملحوظ في سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري خلال شهر يونيو، لا تزال أسعار العديد من السلع في الأسواق المحلية عند مستوياتها المرتفعة، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة بين المواطنين حول أسباب غياب الانعكاس المباشر لتحسن سعر الصرف على تكلفة المعيشة. وبينما يرى البعض أن انخفاض الدولار يجب أن يقود تلقائيًا إلى تراجع الأسعار، يؤكد خبراء الاقتصاد أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن حركة الأسعار تخضع لمجموعة واسعة من العوامل، يأتي في مقدمتها تكاليف الإنتاج والطاقة والشحن، فضلًا عن دورة الاستيراد، وآليات العرض والطلب، وسلوك بعض التجار داخل الأسواق.
وشهد الدولار خلال يونيو الحالي تراجعًا تدريجيًا بنحو 2.47 جنيه مقارنة ببداية الشهر، لينخفض من مستويات تجاوزت 52 جنيهًا إلى أقل من 50 جنيهًا، بعدما كان قد قفز في وقت سابق إلى أكثر من 54 جنيهًا على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما صاحبها من اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الطاقة وخروج استثمارات أجنبية من الأسواق الناشئة.

وقبل اندلاع تلك التطورات، كان الدولار يتحرك قرب مستوى 47 جنيهًا، إلا أن موجة التوترات رفعت سعره بصورة كبيرة، قبل أن يستعيد الجنيه نحو 10% من قيمته مع تحسن الأوضاع وعودة جزء من تدفقات النقد الأجنبي.
الأسعار بين تراجع الدولار وارتفاع تكاليف الإنتاج
يرى خبراء الاقتصاد أن انخفاض سعر الدولار لا يمثل العامل الوحيد المحدد لأسعار السلع، إذ توجد عناصر أخرى لا تقل تأثيرًا، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الطاقة والأجور والشحن والنقل، فضلًا عن زيادة تكاليف الإنتاج محليًا وعالميًا.
ويؤكد الدكتور أحمد معطي، خبير أسواق المال، أن سعر الصرف يعد أحد مكونات تكلفة السلعة وليس العامل الوحيد، موضحًا أن ارتفاع أسعار الطاقة والأجور خلال الفترة الماضية أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك.
وأضاف أن انخفاض الدولار قد يؤدي إلى تراجع جزئي في بعض الأسعار، لكنه لا يعني العودة إلى المستويات السابقة، لأن السعر النهائي للسلعة يعتمد على متوسط جميع عناصر التكلفة وليس على سعر العملة فقط.
وأشار إلى أن السلع المستوردة تتأثر أيضًا بارتفاع تكاليف الشحن العالمية، خاصة القادمة من الدول التي تأثرت بالحروب والاضطرابات الجيوسياسية، وهو ما يرفع تكلفة وصول المنتجات إلى السوق المحلية حتى مع انخفاض الدولار داخل مصر.
وأوضح معطي أن انتقال أثر انخفاض الدولار إلى الأسواق يحتاج إلى فترة زمنية تختلف من سلعة لأخرى، حيث تستجيب السلع الغذائية سريعة التداول بصورة أسرع، بينما تستغرق السلع المستوردة ذات دورة الاستيراد الطويلة، مثل السيارات والأجهزة الكهربائية، عدة أشهر قبل أن يظهر أثر انخفاض سعر الصرف، مرجحًا أن تبدأ الانعكاسات بشكل أوضح خلال نحو ثلاثة أشهر إذا استمر استقرار سوق النقد.
الأسعار بين اتهامات الجشع ودفاع المستوردين
في المقابل، يرى الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، أن استمرار ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بالعوامل الاقتصادية، وإنما يعود أيضًا إلى ما وصفه بجشع بعض التجار وضعف الرقابة على الأسواق.
وأوضح أن الاقتصاد المصري يعمل وفق آليات السوق الحرة، ولا توجد آلية للتسعير الجبري، الأمر الذي يسمح بوجود تفاوت واضح في أسعار السلعة الواحدة بين متجر وآخر، حتى داخل المنطقة نفسها.
وأضاف أن كثيرًا من السلع التي ترتفع أسعارها لا تعود إلى الانخفاض بسهولة، حتى إذا تراجع الدولار أو انخفضت الأسعار العالمية، لأن بعض التجار يحتفظون بفارق التكلفة باعتباره هامش ربح إضافيًا، بدلًا من تمريره إلى المستهلك.

كما رفض عبده مبررات بعض المستوردين المتعلقة بتحملهم تكلفة دولار أعلى من السعر الحالي، مؤكدًا أن الدولة أصبحت توفر العملة الأجنبية عبر الجهاز المصرفي بعد القضاء على السوق الموازية، وبالتالي لم يعد هناك مبرر للحديث عن أسعار مختلفة للدولار.
وأشار كذلك إلى أن استخدام ارتفاع أسعار النفط كمبرر عام للإبقاء على جميع الأسعار المرتفعة لا يعد تفسيرًا دقيقًا، لأن تأثير الطاقة يختلف من سلعة إلى أخرى، ولا يمكن تعميمه على كل المنتجات.
في المقابل، رفض إبراهيم العيسوي، عضو شعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، تعميم اتهامات الجشع على جميع التجار، موضحًا أن المستهلك يمتلك دورًا مهمًا في ضبط الأسواق من خلال الامتناع عن شراء السلع التي يرى أن أسعارها مبالغ فيها، وهو ما يؤدي إلى تراجع الطلب وإجبار التجار على خفض الأسعار، مشيرًا إلى أن هذا السيناريو حدث بالفعل مع بعض السلع خلال الفترة الماضية.
الأسعار ترتبط بدورات الاستيراد والعوامل المحلية والعالمية
يرى المستوردون أن البضائع المتوافرة حاليًا في الأسواق تم استيرادها عندما كان الدولار عند مستويات أعلى، وبالتالي فإن تكلفتها الفعلية حُددت بالفعل قبل انخفاض سعر الصرف الحالي.
وأوضح إبراهيم العيسوي أن تكلفة الشحنة المستوردة ترتبط بسعر الدولار الذي تم تدبيره من البنك وقت التعاقد، وليس بالسعر السائد عند وصول البضائع إلى الأسواق، وهو ما يفسر استمرار بيع بعض السلع وفق التكلفة القديمة.
وأضاف أن قطاع الاستيراد تعرض لحالة من الركود منذ اندلاع الحرب، حيث فضّل كثير من المستوردين تأجيل التعاقدات الجديدة انتظارًا لاستقرار أسعار الشحن، خاصة بعدما ارتفعت تكلفة الشحنة الواحدة من نحو أربعة أو خمسة آلاف دولار إلى قرابة تسعة آلاف دولار، نتيجة الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة العالمية واستغلال بعض شركات الشحن لهذه الظروف.
وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور أحمد معطي أن تحسن الجنيه خلال الفترة الأخيرة جاء مدعومًا بعدة عوامل داخلية، أبرزها زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وتحسن إيرادات السياحة، وارتفاع الصادرات، وعودة جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، إلى جانب اختفاء السوق السوداء للعملة.
وأشار إلى أن تحركات الدولار ما زالت تخضع لنظام سعر الصرف المرن، وبالتالي فإن مستواه يتحدد وفقًا لتوازنات العرض والطلب، مع استمرار تأثره بالتطورات الإقليمية والعالمية والسياسة النقدية الأمريكية، وإن كان تأثير العوامل المحلية يظل أكثر قوة في المرحلة الحالية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يؤكد الخبراء أن انخفاض الدولار يمثل عاملًا إيجابيًا، لكنه ليس كافيًا بمفرده لإحداث تراجع فوري في الأسعار، إذ يتطلب الأمر استقرارًا اقتصاديًا ممتدًا، وتراجعًا في تكاليف الإنتاج والشحن، إلى جانب رقابة أكثر فاعلية على الأسواق، حتى يشعر المواطن بانعكاس تحسن المؤشرات الاقتصادية على أسعار السلع والخدمات في حياته اليومية.



