المشاركة المجتمعية.. الحل الذي لا يكلف الدولة كثيرًا
بقلم يسري جمال : صحفي ورئيس تحرير برامج | في خضم الحديث الدائم عن التنمية، وتحسين الخدمات، والارتقاء بمستوى المعيشة، يتجه التفكير غالبًا نحو الموازنات الضخمة، والاستثمارات الكبرى، والمشروعات القومية، ورغم أهمية كل ذلك، فإن هناك عنصرًا لا يقل أهمية، بل قد يكون أكثر تأثيرًا في كثير من الأحيان، وهو المشاركة المجتمعية.
في فهم المشاركة المجتمعية
هذا المفهوم لا يعني أن يتحمل المواطن أعباء الدولة، كما يظن البعض، ولا أن تتخلى المؤسسات عن مسؤولياتها، وإنما يعني ببساطة أن يتحول المواطن من متلقٍ للخدمة إلى شريك في صناعتها، ومن مراقب للأحداث إلى مساهم في تغييرها.
الدول لا تُبنى بالقرارات الحكومية وحدها، مهما بلغت كفاءتها، وإنما تُبنى أيضًا عندما يشعر كل فرد بأن له دورًا، وأن جهده، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يصنع فارقًا في محيطه، فالمواطن الذي يحافظ على نظافة شارعه، أو يشارك في مبادرة لتطوير مدرسة، أو يدعم مستشفى، أو يساهم في إعادة إعمار مسجد أو كنيسة، لا يقدم خدمة لمؤسسة بعينها، وإنما يستثمر في جودة الحياة داخل مجتمعه.
ولعل التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة قدمت نماذج عديدة تؤكد أن المجتمع يمتلك طاقات هائلة إذا أُتيحت له الفرصة للمشاركة، مبادرات خدمية، وقوافل طبية، وحملات لتطوير القرى، ودعم للأسر الأولى بالرعاية، ومشروعات لترميم المدارس ودور العبادة، كلها أثبتت أن التعاون بين الدولة والمجتمع قادر على تحقيق نتائج تتجاوز ما يمكن أن يحققه كل طرف بمفرده.
المشاركة المجتمعية لا تقتصر على التبرع بالمال
لكن المشاركة المجتمعية لا تقتصر على التبرع بالمال، كما يعتقد البعض، فهناك من يشارك بعلمه، ومن يشارك بخبرته، ومن يشارك بوقته، ومن يشارك بفكرة قد توفر ملايين الجنيهات، أستاذ يخصص ساعة أسبوعيًا لمحو الأمية، وطبيب يشارك في قافلة علاجية، ومهندس يقدم استشارة مجانية لمشروع خدمي، وشاب ينظم حملة للتبرع بالدم، وإعلامي يسلط الضوء على قضية تستحق الاهتمام… جميعها صور للمشاركة، وربما تكون أكثر قيمة من أي مساهمة مالية.
ولا يمكن الحديث عن المشاركة المجتمعية دون الإشارة إلى الدور الذي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والجامعات، والنقابات، والقطاع الخاص، فهذه المؤسسات ليست كيانات منفصلة عن المجتمع، بل هي أدوات لتنظيم طاقاته وتوجيهها نحو أهداف تخدم الجميع، وعندما تتكامل جهودها مع مؤسسات الدولة، تصبح التنمية أكثر استدامة، وأكثر قربًا من احتياجات المواطنين.
وفي المقابل، يقع على عاتق الدولة مسؤولية أساسية في تشجيع هذه الثقافة، من خلال فتح المجال أمام المبادرات الجادة، وتبسيط الإجراءات، وتقدير المتطوعين، وتكريم النماذج الإيجابية، لأن الإنسان بطبيعته يزداد عطاءً عندما يشعر بأن جهده محل احترام وتقدير.

دور الإعلام في المشاركة المجتمعية
أما الإعلام، فدوره لا يقل أهمية عن أي مؤسسة أخرى، فالإعلام الحقيقي لا يكتفي بنقل الأخبار، وإنما يصنع الوعي، ويقدم القدوة، ويبرز التجارب الناجحة، ويحول المبادرات الفردية إلى قصص ملهمة تدفع الآخرين إلى المشاركة، فكم من فكرة صغيرة انتشرت عبر وسائل الإعلام، فتحولت إلى مشروع يخدم آلاف المواطنين.
وربما تكمن المشكلة في أننا اعتدنا أن نسأل: “ماذا قدمت الدولة لنا؟”، بينما نادراً ما نسأل أنفسنا: “ماذا قدمنا نحن لوطننا؟”، والسؤال الثاني لا ينتقص من حق المواطن في الحصول على خدماته، لكنه يعكس فهمًا أعمق للعلاقة بين الدولة والمجتمع؛ فالأوطان لا تُبنى بالمطالب وحدها، وإنما بالمشاركة أيضًا.
إن المجتمعات الأكثر تقدمًا لم تصل إلى ما هي عليه بالإنفاق الحكومي فقط، بل بترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة، هناك مواطن يشعر أن الحفاظ على الممتلكات العامة مسؤوليته، ورجل أعمال يرى أن نجاحه الحقيقي يقاس بما يقدمه لمجتمعه، وشباب يعتبرون العمل التطوعي جزءًا من أسلوب حياتهم، لا نشاطًا موسميًا.
وفي مصر، نحن نملك كل المقومات التي تجعل المشاركة المجتمعية قوة حقيقية: شعبًا محبًا للعطاء، ومؤسسات قادرة على التنظيم، وقيادة تضع التنمية في مقدمة أولوياتها، وما نحتاج إليه اليوم هو أن تتحول المشاركة من رد فعل مؤقت إلى ثقافة راسخة، ومن مبادرات فردية متفرقة إلى نهج دائم يشارك فيه الجميع.
فحين يؤمن كل مواطن أن بناء الوطن لا يبدأ من موقع المسؤول فقط، بل يبدأ أيضًا من موقعه هو، سنكتشف أن كثيرًا من المشكلات يمكن حلها بتكلفة أقل، وفي وقت أسرع، وبأثر يدوم لسنوات.
إن المشاركة المجتمعية ليست ترفًا، وليست بديلًا عن دور الدولة، بل هي الشريك الأقوى لها، والاستثمار الذي يحقق أكبر عائد بأقل تكلفة، وحين تتلاقى إرادة الدولة مع إرادة المجتمع، تصبح التنمية واقعًا يراه الناس في حياتهم اليومية، لا مجرد أرقام في التقارير أو عناوين في الأخبار.



