فخ ألاسكا وعقدة كييف.. النيران التي تحرق أصابع القيصر
بقلم الكاتب العراقي محمد الماس | في توقيت جيوسياسي حرج يغلي على صفيح ساخن، وضعت موسكو حدًا لسنوات من المراهنة على طاولات التفاوض، لتعلن – وفق رؤيتها – سقوط قناع الدبلوماسية الأمريكية، وتكشف عن معركة كسر عظام كبرى لم تعد تُدار بالوكالة، بل باتت تستهدف خنق العصب الاقتصادي لروسيا وتهديد أمنها القومي في الصميم.
فالاستفاقة الروسية المتأخرة على وقع الضربات التي استهدفت منشآت النفط، إلى جانب تمدد الطوق النووي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) نحو حدود فنلندا، تدفع المنطقة والعالم نحو مرحلة شديدة الخطورة. ولم يعد الرد الروسي مجرد مناورة ميدانية، بل تحول – وفق تقديرات مراقبين – إلى إعادة صياغة شاملة لأهداف الحرب، تبدأ من إعادة وضع العاصمة كييف في صدارة الأهداف الاستراتيجية، ولا تنتهي عند احتمالات توسيع ساحات التوتر من مضيق هرمز إلى شواطئ البحر المتوسط.
تحولات عميقة في المشهد الدولي
في قراءة معمقة لمشهد الجغرافيا السياسية الراهن، يبدو أن التوازنات الدولية تشهد منعطفًا حاسمًا يعيد صياغة قواعد الاشتباك بين القوى الكبرى. وتكشف التحولات الأخيرة عن تبدل جوهري في الاستراتيجية الروسية، التي انتقلت من مربع الرهان على المسارات الدبلوماسية إلى مرحلة الردع الخشن ومواجهة ما تصفه دوائر سياسية في موسكو بـ«الخداع الاستراتيجي الغربي».
وتشير المعطيات السياسية والميدانية إلى أن موسكو توصلت إلى قناعة راسخة بأن مسار المحادثات الثنائية، الذي انطلق منذ قمة ألاسكا، لم يكن – من وجهة نظرها – سوى مناورة أمريكية مدروسة هدفت إلى كسب الوقت وتعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية، وتمكين كييف من تنفيذ ضربات نوعية تستهدف البنية التحتية الروسية والعصب الاقتصادي للدولة.
وقد عبّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن هذا التوجه في تصريحات أخيرة، حذر فيها من تداعيات ما وصفه بالنهج الغربي تجاه الأزمة الروسية الأوكرانية.
النفط الروسي في مرمى النيران
تزامنت هذه التطورات مع هجمات أوكرانية مكثفة استهدفت منشآت نفطية روسية حيوية، ما أحدث تحولًا لافتًا في حسابات الطاقة الروسية وأثار مخاوف بشأن أمن الإمدادات الداخلية.
ومع تصاعد الضغوط على قطاع الطاقة، بدأت موسكو في البحث عن خيارات بديلة لتأمين احتياجاتها من بعض المشتقات النفطية والوقود، عبر توسيع شراكاتها مع قوى آسيوية، وفي مقدمتها الهند، في إطار مساعٍ لتخفيف آثار الاستهداف المتكرر للبنية التحتية الحيوية.
وفي الوقت ذاته، برزت الجبهة الشمالية الأوروبية بوصفها مصدرًا جديدًا للقلق الروسي، مع إعلان فنلندا استعدادها للسماح بنشر قدرات عسكرية تابعة لحلف الناتو على أراضيها، في أعقاب انضمامها رسميًا إلى الحلف، وهو ما تنظر إليه موسكو باعتباره تحولًا استراتيجيًا يمس أمنها القومي بشكل مباشر.
كييف تعود إلى صدارة الأهداف؟
دفع هذا التصعيد المتدرج القيادة الروسية إلى تبني مقاربة أكثر تشددًا على المستويين العسكري والاستراتيجي.
فعلى الأرض، شنت القوات الروسية سلسلة من الهجمات العنيفة على مواقع أوكرانية مختلفة، في مؤشر اعتبره مراقبون دلالة على إعادة التركيز على الأهداف الكبرى للحرب.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير عسكرية عن دراسة القيادة الروسية لسيناريوهات عملياتية متعددة تتعلق بتوسيع نطاق العمليات العسكرية، بما في ذلك احتمالات التحرك عبر الأراضي البيلاروسية، وهو ما يفسر جانبًا من التحركات العسكرية المتزايدة للقوات البيلاروسية بالقرب من حدودها الجنوبية.
ويعكس هذا المشهد قناعة متزايدة لدى موسكو بأن الحرب دخلت مرحلة جديدة تختلف عن الحسابات التي حكمت الأعوام السابقة، وأن الحسم العسكري عاد ليتقدم على رهانات التسوية السياسية.
جبهة الشمال الأوروبي تحت الضغط
لم تقتصر الردود الروسية على الجانب العسكري المباشر، بل امتدت إلى إجراءات ذات أبعاد جيوسياسية واقتصادية.
فقد اتخذت موسكو خطوات لتقييد بعض مسارات النقل والربط اللوجستي مع جوارها الأوروبي، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص الاعتماد المتبادل مع الدول المنخرطة في سياسات الضغط الغربية.
وترى روسيا أن التحركات الفنلندية الأخيرة تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، في حين تبرر هلسنكي هذه الإجراءات بأنها رد فعل على التوسع العسكري الروسي في المناطق الحدودية الشمالية.
وتتزامن هذه التطورات مع تقارير استخباراتية أوروبية تشير إلى احتمالات استمرار التصعيد بين روسيا وحلف الناتو خلال السنوات المقبلة، في ظل تراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة الأوكرانية.
هل يمتد الصراع إلى الشرق الأوسط؟
في ظل هذه التعقيدات، لا يستبعد بعض المراقبين أن تتجاوز تداعيات المواجهة حدود القارة الأوروبية، لتطال مناطق استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.
فأوروبا تعتمد بصورة كبيرة على الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، لتأمين جزء مهم من احتياجاتها من الطاقة، كما تراهن على موارد شرق المتوسط لتعزيز أمنها الطاقوي خلال السنوات المقبلة.
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن موسكو تمتلك أوراق ضغط متعددة في المنطقة، سواء من خلال علاقاتها الاستراتيجية مع إيران، أو عبر حضورها العسكري والسياسي في سوريا، وهي أوراق يمكن أن تؤثر في معادلات الأمن الإقليمي وتوازنات الطاقة العالمية إذا ما استمر التصعيد بين روسيا والغرب.
عالم على أعتاب مرحلة جديدة
المؤكد أن الأزمة الروسية الغربية دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة مما كانت عليه في السنوات الماضية. فمع تراجع الثقة بين الأطراف، وتصاعد المواجهات الميدانية، واتساع دائرة التهديدات المتبادلة، يبدو أن العالم يقف أمام مرحلة جديدة من الصراع الدولي المفتوح.
وفي ظل غياب مؤشرات حقيقية على قرب التسوية، تبقى جميع السيناريوهات مطروحة، من استمرار حرب الاستنزاف في أوكرانيا، إلى اتساع نطاق التوترات الجيوسياسية في مناطق أخرى من العالم، بما يجعل المرحلة المقبلة واحدة من أكثر المراحل حساسية في النظام الدولي المعاصر.



