رأي وتحليلأهم الاخبار

من العقيدة الصهيونية إلى العجز الأمريكي.. كيف أسقطت طهران رهانات المواجهة؟

تحليل يكتبه الكاتب العراقي – محمد الماس | في لحظة تاريخية فارقة تتشكل تحت وطأة صراع استراتيجي كاسر للعظام، تتصادم الاستراتيجية الأمريكية مع حقيقة صلبة مفادها أن طهران ليست رقمًا سهلًا يمكن تجاوزه أو إخضاعه دون أثمان كارثية. فبين السعي الغربي لخنق الممرات الأوراسية وتجريد إيران من قدراتها غير التقليدية.

وبين معادلة الردع المقابلة، يتبلور تناقض بنيوي حاد يتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية ليدخل إلى عمق الهندسة الجيوسياسية والعقائدية للمنطقة، وهو تناقض يفضح العجز عن حسم المعركة ويكشف حدود القوة أمام جغرافيا عصية على الانكسار.

تتجلى المظاهر الجيوسياسية الحاكمة للصراع الراهن في منطقة الشرق الأوسط عبر قراءة سياقات الفعل الأمريكي تجاه الجغرافيا الإيرانية من خلال ثلاثة محاور استراتيجية ترتبط مباشرة بخرائط النفوذ والتموضع العالمي.

حيث يتجلى المحور الأول في استهداف الجسر الحديدي الممتد شمال إيران بوصفه الممر البري الحيوي الذي شيدته طهران لتأمين مسارات التبادل التجاري مع بكين وموسكو بعيدًا عن تهديدات الممرات البحرية وإكراهات مضيق هرمز، بينما يتبلور المحور الثاني في استهداف مدينة بوشهر التي تضم مركز الطاقة النووية الإيراني، في حين يتركز المحور الثالث في تقويض المنظومات العسكرية المحيطة بمضيق هرمز. وتلك الأهداف الحيوية تنطوي على دلالات جوهرية تصبو إلى إحكام العزلة البرية على طهران، وقطع شرايين التواصل التجاري البديل مع القوى الأوراسية الصاعدة، مما يضعف قدرتها المناوراتية على إغلاق المضيق الحيوي.

كما أن التركيز على المنشآت النووية يبرهن أن تقويض القدرات التقنية غير التقليدية يمثل غاية أساسية في هذه المواجهة، فضلًا عن أن ضرب منصات إطلاق الصواريخ في محيط المضيق يهدف بالدرجة الأولى إلى تمكين واشنطن من فرض سيطرتها على جزيرة خرج الاستراتيجية.

إيران وأمريكا

إن هذا التصعيد الهيكلي يظل محكومًا بسقف محدد ما لم تنتقل الاستراتيجية الأمريكية إلى مرحلة فرض الحصار الشامل على الموانئ الإيرانية. وفي المقابل، تتجه الرؤية الدفاعية الإيرانية نحو استهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج، بالتزامن مع توجيه تحذيرات حاسمة لتلك الدول من مغبة الانخراط في أي تحالفات دولية تسعى لتنفيذ المقترحات البريطانية والفرنسية الرامية إلى تطهير محيط مضيق هرمز من الألغام.

وهي عملية معقدة للغاية لا يمكن ترجمتها على أرض الواقع إلا بفرض الهيمنة الأمريكية المطلقة على جزيرة خرج وتحييد الترسانة الصاروخية الإيرانية، وهي مهمة شبه مستحيلة، وتكاد تقترب من الاستحالة نفسها، نظرًا لأن خيار الغزو البري سيؤدي حتمًا إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة العالمية، في وقت تعاني فيه الاحتياطيات النفطية الأمريكية الاستراتيجية من شبح النفاد.

هذا التناقض البنيوي بين الكلفة الاقتصادية والعسكرية الباهظة وبين الإصرار على المضي قدمًا في مسارات المواجهة يطرح تساؤلًا فلسفيًا حول المحرك الأساسي للسياسة الأمريكية، حيث يمكن تفسير هذا السلوك عبر فرضيتين أساسيتين.

تتلخص الأولى في رغبة واشنطن في انتزاع مكاسبها الاستراتيجية عبر القنوات الدبلوماسية والاتفاقات السياسية بدلًا من التورط المباشر في عمليات عسكرية واسعة النطاق، وهو ما يفسر التباين الواضح في المقاربات بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو.

أما الفرضية الثانية فتذهب نحو تفسير أعمق يرى أن الإدارة الأمريكية تدرك تمامًا أن هذه الحرب قد تفضي إلى استنزاف مكانتها الدولية، لكنها تتحرك بدافع عقدي غيبي يتجاوز الحسابات البراغماتية المادية، ليصبح الهدف الأساسي هو حماية الدولة العبرية وتأمين وجودها كمركز محوري لمشروع الشرق الأوسط الجديد بحلول عام 2030.

إن السعي نحو صياغة هذا النظام الإقليمي الجديد يستند إلى خريطة طريق مستمدة من نصوص يضفون عليها طابع القداسة في أدبياتهم الفكرية والسياسية. وهذا الاحتمال يكتسب وجاهة بالنظر إلى أن الخطاب السياسي لإدارة ترامب عمل على مدى شهور طويلة على تأطير هذه المواجهة بوصفها معركة ذات أبعاد دينية ومصيرية لا يمكن التراجع عنها.

ومن هنا تتوحد الرؤية الغربية في منع طهران من حيازة السلاح النووي لحماية الأمن الإسرائيلي، في حين أن القوى الغربية نفسها تكدس الترسانات النووية تحضيرًا لصراعات كبرى محتملة مع روسيا، دون أن تولي أمنها القومي ذات الاهتمام الممنوح للدولة العبرية.

وتتلاقى المخططات المشتركة بين واشنطن وتل أبيب على حتمية تقويض النفوذ الإيراني وتفكيك عناصر قوته قبل منتصف عام 2027، لتدخل إسرائيل مرحلة الاستقرار الكلي قبل عام 2028، لمعرفتها العميقة أن طهران تشكل التحدي الوجودي الحقيقي لمشروعها في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى