تفكيك منظومة المستشارين.. إرث السوداني الثقيل على طاولة الزيدي

بقلم الكاتب العراقي محمد الماس | في وطنٍ أثقلته الأزمات وتنازعته مراكز النفوذ، لا تُقاس قيمة الحكومات ببلاغة خطاباتها، وإنما بقدرتها على استعادة الدولة من قبضة الشبكات التي تعيش على هامشها وتقتات من مقدراتها. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يملك الزيدي القدرة على تفكيك دولة المستشارين التي تمددت عبر السنوات حتى غدت جزءًا من بنية القرار، لا مجرد أداة لمساندته؟
المشكلة لا تكمن في فكرة المستشار ذاتها، فالدول الحديثة لا تستغني عن أصحاب الخبرة والمعرفة، غير أن المستشارية تفقد معناها حين تتحول من مؤسسة للعقل والتخطيط إلى مساحة لتدوير الوجوه والولاءات وإعادة إنتاج الامتيازات. عندها لا يصبح المستشار صانعًا للرؤية، بقدر ما يغدو جزءًا من منظومة تحرس مصالحها وتدافع عن استمرارها.
فأكثر ما أنهك الدولة خلال السنوات الماضية أن مواقع المستشارية تحولت إلى مراكز استنزاف لمقدرات البلاد، فبدلًا من أن تكون خزائن للخبرة، غدت منافذ للنفوذ ومواسم لتقاسم الامتيازات. وكان المال العام يدور في فلك مصالح ضيقة، فيما تتراكم حاجات الناس، وتتراجع الخدمات، وتضيق فرص الحياة الكريمة.
ومن هنا لم تعد القضية مالية فحسب، وإنما أخلاقية أيضًا. فحين يرى المواطن ثروة وطنه تتبدد وتتقاسم بين المنتفعين، بينما يعاني من تردي الخدمات وانسداد الأفق، يفقد ثقته بالمؤسسات، ويشعر أن الفساد لم يعد حالة استثنائية، وإنما بنية راسخة في جسد الدولة.
وفي العراق، حيث يعتمد الاقتصاد على النفط بصورة شبه كاملة، تبدو خطورة هذا الواقع أكثر وضوحًا؛ فأي اضطراب مالي ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في الوفاء بالتزاماتها وتمويل مشاريعها، كما حصل بعد إغلاق مضيق هرمز. ومع ذلك استمرت البيروقراطية في التوسع، واستمرت شبكات النفوذ في استهلاك الموارد، وكأن الخزينة لا تعرف حدودًا.
فالمعضلة الحقيقية لم تكن مجرد عجز عابر، وإنما أن حكومة السوداني هي من زرعت الجذور الأولى لهذه البنية المشوهة، حين حولت المستشارية من حاجة تفكيرية استثنائية إلى مؤسسة بيروقراطية متضخمة تجاوزت عتبة المئة مستشار. هذا الفائض العددي لم يكن ترفًا إداريًا، وإنما شكّل استنزافًا كليًا وممنهجًا لمقدرات البلاد وإهدارًا لأموالها، حيث استثمرت هذه الشبكة فائض سلطتها الممتدة لتجذير النفوذ وإعادة إنتاج الولاءات داخل المفاصل الرسمية للدولة، مما رسخ لدى الشارع قناعة بأن الفساد لم يعد اختراقًا للمنظومة، وإنما أضحى هو المنظومة ذاتها.
واليوم تتجه الأنظار نحو الزيدي، الذي يواجه اختبارًا يتجاوز الإدارة اليومية للسلطة إلى محاولة إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فمعركته الحقيقية ليست مع خصومه السياسيين فحسب، وإنما مع الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات طويلة من سوء الإدارة وتغول المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن الشعب يدعم كل جهد صادق تتبناه حكومة الزيدي في محاسبة الساسة الفاسدين، واسترداد المال العام، وتجفيف منابع الهدر والامتيازات غير المشروعة، ومواجهة الفساد الذي استشرى في مؤسسات الدولة وتجذر عبر السنوات. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما بسيادة القانون، وبإعادة الثروة الوطنية إلى خدمة المواطنين.



