رأي وتحليل

من يدير اللعبة؟.. حين تحركت الصواريخ تغيّرت خرائط ما قبلها

بقلم الكاتب العراق محمد الماس | لم تكن الصواريخ الإيرانية التي اتجهت نحو إسرائيل مجرد رد عسكري على ضربة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، كما لم تكن رسالة دعم عابرة لحليف إقليمي. فخلف المشهد المشتعل تقف شبكة معقدة من المصالح الدولية والصراعات الجيوسياسية التي تمتد من حدود لبنان إلى القوقاز، ومن حقول الغاز في شرق المتوسط إلى ممرات التجارة والطاقة التي تعيد رسم خرائط النفوذ العالمي.

وبينما ينشغل العالم بمتابعة تبادل الضربات العسكرية، تبدو المعركة الحقيقية أعمق بكثير؛ إنها معركة على الممرات الاستراتيجية، والتحالفات الدولية، ومستقبل التوازن بين الشرق والغرب في نظام عالمي يزداد اضطرابًا يومًا بعد آخر.

فالضربة الإيرانية جاءت أيضًا في سياق صراع دولي أوسع يرتبط بمحاولات الغرب حصار حلف الشرق وخنق مسارات تمدده الاستراتيجي، خصوصًا بعد التطورات التي شهدتها مناطق تُعد حيوية بالنسبة لروسيا وإيران خلال الفترة الأخيرة.

فقبل أيام نجح الغرب في جذب أرمينيا أكثر نحو معسكره، وهو ما يعني بالنسبة لهذا المحور تهديدًا للممر البري الذي يربط روسيا بإيران عبر القوقاز. كما تترافق هذه التحركات مع محاولات متواصلة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في عدد من الدول القريبة من روسيا، أو التي تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع الشرق والغرب في آنٍ واحد.

وإذا بدأ المشهد من لبنان، تتضح الصورة بشكل أكبر. فقبل يومين استهدفت إسرائيل الضاحية الجنوبية في خطوة هدفت إلى منع حزب الله من مواصلة الضغط على المستوطنات والبلدات في شمال إسرائيل. وكانت إيران قد حذرت مسبقًا من استهداف الضاحية، وأكدت أن أي ضربة من هذا النوع ستُقابل برد مباشر، وهو ما حدث بالفعل.

غير أن المسألة لا تتوقف عند حدود الرد على استهداف حليف إقليمي، لأن حزب الله بالنسبة لإيران لا يمثل مجرد حليف لبناني، وإنما يشكل ركنًا أساسيًا ضمن منظومة الصراع الإقليمي والدولي الدائر منذ سنوات.

فعلى المستوى المحلي، يتكون الحزب من مقاتلين لبنانيين يطرحون أنفسهم كحركة مقاومة هدفها منع إسرائيل من فرض سيطرتها على جنوب لبنان، لكنه في الوقت نفسه يُعد جزءًا من التوازنات الكبرى التي تربط لبنان بالصراع بين حلف الغرب من جهة، وحلف إيران وروسيا والصين من جهة أخرى.

ومن هذا المنطلق تنظر إسرائيل إلى نزع سلاح حزب الله باعتباره هدفًا استراتيجيًا يتجاوز البعد الأمني المباشر، فوجود قوة عسكرية كبيرة ومتماسكة على حدودها الشمالية يمثل تهديدًا دائمًا لمشاريعها المستقبلية وطموحاتها الإقليمية. كما أن الصراع لا ينفصل عن المنافسة على شرق المتوسط وما يحتويه من ثروات غازية هائلة تشكل أحد أهم الملفات الجيوسياسية في المنطقة.

فإسرائيل وأوروبا تنظران إلى غاز شرق المتوسط باعتباره فرصة استراتيجية، بينما ترى روسيا أن نجاح هذه المشاريع قد يوجه ضربة مباشرة لنفوذها في سوق الطاقة الأوروبية. لذلك يصبح بقاء حزب الله قوة مؤثرة عاملًا مهمًا في حسابات هذا الصراع، لأنه يشكل عنصر ضغط دائمًا على أي مشاريع أو ترتيبات إقليمية يمكن أن تعيد رسم موازين القوة في المنطقة على حساب المحور المقابل.

ولا تقف الحسابات عند روسيا فقط، فتركيا بدورها تراقب توازنات شرق المتوسط بحساسية عالية، خصوصًا في ظل الخلافات المتعلقة بقبرص والنفوذ البحري وممرات الطاقة. لذلك فإن استمرار وجود قوة قادرة على تهديد الترتيبات التي قد تفضي إلى تقليص النفوذ التركي يُعد عاملًا يدخل أيضًا ضمن شبكة المصالح المتشابكة في المنطقة.

ومن هنا يمكن فهم سبب اعتبار حزب الله، بالنسبة لبعض قوى الشرق، خط الدفاع الأول أمام المشاريع التي يرون أنها تستهدف إعادة تشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية لشرق المتوسط.

وجاءت الضربة الإيرانية أيضًا في توقيت حساس تزامن مع تصاعد الضغوط على لبنان من أجل معالجة ملف سلاح حزب الله. فقد شهدت المرحلة الأخيرة حديثًا متزايدًا عن ضرورة تحرك الدولة اللبنانية والجيش اللبناني لحسم هذا الملف، ووصل الأمر إلى تلميحات أمريكية تفيد بإمكانية إسناد أدوار إقليمية أخرى للمساعدة في تحقيق هذا الهدف إذا لم يتحرك الداخل اللبناني.

لذلك بدت الضربة الإسرائيلية على الضاحية وكأنها اختبار لحدود الرد الإيراني واستعداد طهران للدفاع عن الخطوط الحمراء التي رسمتها، فجاء الرد سريعًا ليؤكد أن المعادلة التي تحكم العلاقة بين الطرفين ما زالت قائمة.

لكن البعد الأهم للضربة الإيرانية يرتبط بالساحة الدولية. فالغرب يتحرك منذ سنوات لاستقطاب المزيد من الدول المحيطة بروسيا وتقليص هوامش نفوذها، وقد ظهرت هذه السياسة في أكثر من ساحة، من مولدوفا إلى دول أوروبية أخرى شهدت تحولات سياسية وانتخابية دفعت باتجاه مزيد من الاندماج مع المؤسسات الغربية.

كما شهدت المجر خلال المرحلة الماضية صراعًا سياسيًا حادًا بين القوى القريبة من التوجهات القومية والمحافظة، وبين القوى المؤيدة للاتحاد الأوروبي، في سياق يعكس حجم التنافس على هوية الدول الواقعة بين الشرق والغرب.

وفي هذا الإطار تبرز أرمينيا باعتبارها إحدى أهم حلقات الصراع الجيوسياسي الحالي، فنجاح الغرب في توسيع نفوذه داخلها لا يقتصر على المكاسب السياسية المباشرة، وإنما يمتد إلى التأثير على شبكة العلاقات الاستراتيجية التي تربط روسيا بإيران. كما تتكرر مشاهد مشابهة في دول أخرى، حيث تنظر قوى الشرق إلى العديد من التحركات الداخلية والاحتجاجات والتغيرات السياسية بوصفها جزءًا من عملية إعادة تموضع واسعة تهدف إلى إبعاد هذه الدول عن موسكو وتقليص نفوذ الحلف الشرقي فيها.

من هذا المنظور تصبح الضربة الإيرانية رسالة تتجاوز حدود المواجهة مع إسرائيل؛ فهي رسالة دعم لحزب الله، ورسالة رفض لمحاولات تغيير موازين القوى في لبنان، ورسالة موجهة إلى الغرب بأن محاولات حصار حلف الشرق لن تمر دون ردود فعل. فالصراع، في نظر هذا المحور، لم يعد مقتصرًا على الجغرافيا العسكرية المباشرة، بل أصبح صراعًا على الممرات الاستراتيجية والطاقة والنفوذ السياسي والتحالفات الدولية ومستقبل النظام العالمي.

أما بالنسبة لمستقبل الأوضاع في الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في الوصول إلى مواجهة شاملة قبل استكمال ترتيباتها وتحضيراتها العسكرية والسياسية في المنطقة، سواء ما يتعلق بتحركات الناتو أو بملفات التطبيع والتحالفات الإقليمية.

ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم في تحديد مسار التصعيد مرتبطًا بقرارات إيران وروسيا والصين، ومدى استعدادها للذهاب نحو مواجهة أوسع أو الاكتفاء بفرض توازن ردع يمنع خصومها من تحقيق أهدافهم.

ولهذا فإن مستقبل الحرب والتصعيد في المنطقة لن تحدده إسرائيل أو الولايات المتحدة وحدهما، بل سيبقى رهنًا بتفاعل جميع القوى الكبرى المنخرطة في هذا الصراع الممتد من حدود لبنان حتى أعماق التنافس الدولي بين الشرق والغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى