رأي وتحليل

من جعلك وصيًا على الخلق؟.. الفتنة لا تبني الأوطان

بقلم : الكاتب العراقي محمد الماس:- من أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الآراء، وإنما ظهور أشخاص يتعاملون مع أنفسهم بوصفهم أوصياء على إيمان الناس، وحراسًا على أبواب الجنة والنار، فيوزعون أحكام الكفر والإيمان وفق أهوائهم وتفسيراتهم الخاصة، وكأن مفاتيح الجنان قد وُضعت في أيديهم دون سواهم.

وهذا بالضبط ما يدفعنا إلى التوقف عند الكلام الذي صدر أخيرًا، والذي تضمن تكفير من يحلف بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، واتهامه بالخروج عن طريق التوحيد، وكأن ملايين المسلمين الذين يكنون الحب والاحترام لهذه الشخصية العظيمة أصبحوا فجأة خارج دائرة الإيمان.

السؤال الذي يُطرح هنا: من منح أي شخص الحق في محاكمة الناس على عقائدهم ونياتهم؟ ومن نصبه قاضيًا على ضمائرهم حتى يقرر من هو المؤمن ومن هو الكافر، ومن هو الموحد ومن هو المشرك؟

هذه الأحكام الخطيرة لم تكن يومًا لعبة إعلامية، ولا مادة للإثارة السياسية.

فمن حقنا أن نتساءل: لماذا يتم تسليط الضوء على اسم علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، تحديدًا، بينما يتجاهل أصحاب هذه الخطابات عشرات الأمثلة اليومية المتداولة بين الناس في مختلف البلدان والمجتمعات؟

فمثلًا، نحن في العراق نقول: «وداعة أمي»، و«وداعة أبويّ»، و«بروح أبويّ»، و«بروح أمي». والمصري يحلف بالسيد البدوي أو بالمرسي أبو العباس أو بغيرهما من الشخصيات الدينية التي تحظى بمكانة اجتماعية لديه، والمسيحي يقسم بالسيدة العذراء أو بالقديسين وفق ما تعارف عليه مجتمعه. فهل سنضع كل هؤلاء في خانة الكفر والشرك، ونلغي إيمان الملايين بمنشور أو بجرة قلم؟

وحتى في القرآن الكريم وردت أقسام عديدة بمخلوقات عظيمة من خلق الله سبحانه وتعالى، كالشمس والقمر والليل والنهار وغيرها من الآيات الكونية الدالة على عظمة الخالق.

ثم لماذا يصبح الحلف بعلي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، وحده جريمة تستحق كل هذا الهجوم، بينما تمر عشرات العبارات المشابهة دون اعتراض يُذكر؟ ولماذا يثار الغضب عندما يُذكر اسم علي، صلوات الله عليه، تحديدًا، بينما يسود الصمت في حالات أخرى مماثلة؟

العراق أحوج ما يكون إلى خطاب يعزز الوحدة الوطنية ويحترم التعددية الدينية والمذهبية، لا إلى أصوات تعيد إنتاج لغة التخوين والتكفير، وتفتح جراحًا حاول العراقيون إغلاقها بعد سنوات طويلة من المعاناة.

لذا فإن الكلام الذي كُتب يمس السلم المجتمعي، ويستفز مشاعر شريحة واسعة من العراقيين، ويثير حساسيات مذهبية لا حاجة للبلاد بها. ومن حق المواطنين أن يتساءلوا: هل المطلوب بناء دولة مواطنة تحترم الجميع، أم إعادة المجتمع إلى مربعات الفرز العقائدي والطائفي، لتجريد الناس من إيمانهم والطعن في عقائدهم؟

هذه الأمة كانت وستبقى أكبر من نزعات الإقصاء، وأوسع من محاولات الاحتكار الديني، وسيبقى علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، رمزًا إسلاميًا عظيمًا في وجدان الملايين، مهما حاول البعض استغلال اسمه لإثارة الجدل أو زرع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

لذلك نضع هذا الأمر أمام القضاء العراقي ليأخذ مجراه القانوني، حفاظًا على السلم المجتمعي، ووضع حد لخطابات التكفير وإثارة الفتن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى