صناعة الفوضى وحرب التصريحات.. ما قبل المواجهة

بقلم : الكاتب العراقي محمد الماس | في الشرق الأوسط، لم تعد الأزمات تصنعها الصواريخ وحدها، وإنما تصنعها أيضًا التصريحات المتضاربة التي تتحول من حقائق معلنة إلى روايات منفية، لتدخل المنطقة في دوامة سياسية تتبدل فيها المواقف بوتيرة متسارعة.
ويغدو المشهد أكثر غموضًا مع كل بيان جديد. حتى بات السؤال الأهم ليس: ما الذي قيل؟ وإنما: أي التصريحات يمكن الركون إليها وسط سيل من التصريحات المتناقضة التي تعيد رسم معادلات الصراع يومًا بعد آخر؟
فلم تعد تصريحات ترامب تلقى ذات القدر من التصديق الذي كانت تحظى به سابقًا، بعدما باتت وسائل إعلام دولية تنقل تصريحاته لتتبعها مباشرة بيانات إيرانية تنفيها جملة وتفصيلًا، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والوقائع المعلنة، ويعزز حالة الإرباك التي تهيمن على المشهد الإقليمي.
وتجسد ذلك في ثلاثة ملفات متتالية؛ بدأ أولها مع الحديث عن توجه واشنطن لاستخدام ستة مليارات دولار من الأموال المتوقع الإفراج عنها لصالح إيران في شراء منتجات زراعية أمريكية، غير أن البنك المركزي الإيراني سارع إلى الإعلان أن هذه الأموال سوف تستخدم وفقًا لما تقتضيه المصلحة الإيرانية، وليس وفق الرؤية الأمريكية.
وتكرر المشهد في الملف الثاني، بعدما جرى الحديث عن موافقة إيران على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لترد طهران بأن عودتهم تبقى مرهونة بالتوصل إلى اتفاق نهائي ينظم هذا الملف.
ثم جاء الحديث عن استعداد إيران للدخول في مفاوضات تتعلق ببرنامجها الصاروخي، لتواجه هذه الرواية بنفي جديد أكدت فيه تمسكها بمواقفها السابقة، فتدخل المنطقة مجددًا في دائرة من التصريحات المتقابلة التي يغذيها إعلان يقابله نفي، دون أن تتضح الصورة النهائية.
ويمتد هذا الارتباك إلى تسريبات بشأن الموقف الإسرائيلي، حيث يتحدث مسؤولون إسرائيليون عن استعداد إسرائيل للانسحاب من مناطق في جنوب لبنان وتسليمها إلى الجيش اللبناني، غير أن وزير الدفاع الإسرائيلي، كاتس، خرج بتصريح حاسم ونفى بصورة قاطعة وجود أي توجه من هذا النوع، مؤكدًا أن إسرائيل لن تنسحب من لبنان حتى لو طلب ترمب ذلك، ومشددًا على أن قرار ضرب واستهداف أي موقع هو قرار تقرره إسرائيل فقط، ولا يخضع للرغبة الأمريكية.
وفي موازاة ذلك، تداولت تقارير إسرائيلية مزاعم عن استخدام إيران وسائل كهرومغناطيسية منخفضة التردد للتأثير على ترمب ودفعه نحو قبول ترتيبات ترى إسرائيل أنها تصب في مصلحة طهران، وتقلص مساحة التهديد بالنسبة لها ليقتصر على ملف تخصيب اليورانيوم.
وفي المقابل، وأمام هذه التهديدات، تؤكد إيران جاهزيتها للتعامل مع أي تحرك قد يقدم عليه نتنياهو ضد برنامجها النووي، وهو موقف تزامن مع إعلان الحوثيين استمرار حالة التعبئة العامة والتزامهم بمبدأ وحدة الساحات مع إيران.
وفي خضم هذا الاستقطاب، تبرز السعودية في موقع وسطي يركز على التهدئة عبر استضافة مباحثات مع إيران تهدف إلى إصلاح العلاقات مع دول الخليج، انطلاقًا من رؤية تسعى إلى إبعاد المنطقة عن أي مواجهة مباشرة قد تنجم عن تحرك أمريكي أو إسرائيلي ضد طهران.



