المغرب بين طفرة النمو وتزايد رغبة الشباب في الهجرة.. مفارقة اقتصادية تثير التساؤلات

يعيش المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية وتنموية لافتة، جعلته من الاقتصادات الصاعدة في القارة الأفريقية، مدفوعًا باستثمارات ضخمة في البنية التحتية والصناعة والطاقة، إلى جانب تعزيز حضوره الاقتصادي في دول جنوب الصحراء.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبرز مفارقة لافتة تتمثل في استمرار رغبة نسبة كبيرة من الشباب المغربي في الهجرة إلى أوروبا بحثًا عن فرص عمل وحياة أفضل. وتكشف هذه الظاهرة أن ارتفاع معدلات النمو وتحسن البنية التحتية لا يعنيان بالضرورة شعور جميع فئات المجتمع بتحسن أوضاعها المعيشية بالقدر نفسه.
المغرب يرسخ مكانته الاقتصادية عبر الصناعة والبنية التحتية
أصبح المغرب خلال العقدين الماضيين نموذجًا للتحول الاقتصادي في المنطقة، خصوصًا مع تطوير البنية التحتية وتعزيز القطاعات الصناعية. ويأتي ميناء طنجة المتوسط في مقدمة المشروعات التي تعكس هذا التحول، بعدما تحول إلى واحدة من أهم بوابات التجارة في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تعامل الميناء خلال العام الماضي مع أكثر من 11.1 مليون حاوية، إلى جانب استقبال نحو 3.2 مليون مسافر و535 ألف شاحنة وحوالي 527 ألف مركبة، بينها سيارات مخصصة للتصدير من مصانع رينو وستيلانتس الموجودة في المملكة.
ويشكل ميناء طنجة المتوسط جزءًا من شبكة متطورة من الطرق السريعة والسكك الحديدية والمناطق الحرة، التي ساعدت في جذب الشركات المحلية والدولية ودعم قطاعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة.
وتشير البيانات الواردة في المحتوى إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للمغرب بلغ 182.5 مليار دولار، بينما سجل الاقتصاد نموًا بنسبة 4.9% خلال العام الماضي، مع توقعات باستمرار النمو بأكثر من 4% خلال 2026.
| المؤشر | البيانات |
|---|---|
| الناتج المحلي الإجمالي | 182.5 مليار دولار |
| نمو الاقتصاد العام الماضي | 4.9% |
| النمو المتوقع في 2026 | أكثر من 4% |
| حاويات طنجة المتوسط | أكثر من 11.1 مليون |
| سكان المغرب دون 25 عامًا | نحو نصف السكان |
وتؤكد هذه المؤشرات توجه المملكة نحو بناء اقتصاد صناعي حديث، مع التركيز على السيارات والطيران والطاقات المتجددة باعتبارها ركائز رئيسية للإنتاج الوطني.
المغرب أمام مفارقة الهجرة رغم تحسن مستويات المعيشة
رغم هذا التقدم، يظل ملف الهجرة أحد أبرز التحديات التي تواجه المغرب، خاصة بين الشباب. وتكشف الأرقام أن 35% من المغاربة، وفقًا للمعطيات الواردة عن الباروميتر العربي لعام 2024، يفكرون في الهجرة، ويرتبط ذلك بصورة أساسية بالرغبة في الحصول على فرص اقتصادية أفضل.
ويبدو التناقض أكثر وضوحًا عند النظر إلى معدلات البطالة. فقد بلغت البطالة في المملكة 13% العام الماضي، بينما وصلت بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا إلى 37.2%.
وتزداد صعوبة المشكلة مع دخول نحو 300 ألف شاب إلى سوق العمل سنويًا، في وقت لا يستطيع الاقتصاد توفير العدد الكافي من الوظائف الجديدة. وبين عامي 2000 و2024، نما عدد السكان في سن العمل بوتيرة أسرع بنحو 2.5 مرة من نمو التوظيف.
ورغم تسجيل الاقتصاد زيادة صافية في الوظائف بلغت 193 ألف وظيفة خلال 2025، مقارنة بـ82 ألف وظيفة في 2024، فإن سوق العمل لا يزال يمثل نقطة ضعف أساسية.
ويرى عالم الاجتماع الهولندي هين دي هاس أن هذه الظاهرة ليست بالضرورة تناقضًا، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع مستويات التعليم والدخل وتحسن المعلومات والقدرة على الحركة إلى زيادة قدرة الشباب على الهجرة، بدلًا من انخفاضها.
المغرب يواجه تحديات التعليم والصحة رغم الإصلاحات الحكومية
لا تقتصر أسباب رغبة الشباب في مغادرة المغرب على سوق العمل، بل تمتد إلى الخدمات العامة، وعلى رأسها التعليم والرعاية الصحية. وينتقد كثير من الشباب مستوى الخدمات الحكومية، في ظل اتساع الفجوة بين المؤسسات العامة والخاصة.
ويشير المحتوى إلى أن معدل الفقر متعدد الأبعاد انخفض من 11.9% عام 2014 إلى 6.8% عام 2024، كما تراجعت نسبة الأمية من نحو الثلث إلى قرابة الربع خلال الفترة نفسها، ما يعكس تحسنًا في بعض المؤشرات الاجتماعية.
وفي المقابل، خصصت ميزانية عام 2026 نحو 15 مليار دولار للصحة والتعليم، بزيادة بلغت 16% عن العام السابق، في محاولة لمعالجة الاختلالات وتحسين الخدمات الأساسية.
كما شهدت البنية التحتية تطورًا كبيرًا، من خلال شبكة القطارات والطرق والمشروعات الحضرية، ويعد القطار فائق السرعة بين طنجة والرباط والدار البيضاء من أبرز رموز هذا التطور، مع خطط لتمديد الشبكة مستقبلًا نحو مراكش وأكادير.
| أبرز التحديات | المؤشر |
|---|---|
| البطالة العامة | 13% |
| بطالة الشباب 15-24 عامًا | 37.2% |
| التفكير في الهجرة | 35% |
| الفقر متعدد الأبعاد 2014 | 11.9% |
| الفقر متعدد الأبعاد 2024 | 6.8% |
| ميزانية الصحة والتعليم 2026 | 15 مليار دولار |
وفي الوقت نفسه، وسّع المغرب استثماراته خارج حدوده، إذ خصص نحو 20% من إجمالي استثماراته الأجنبية لدول جنوب الصحراء، خصوصًا في قطاعات البنوك والاتصالات والزراعة والطاقة المتجددة.

وتكشف الصورة العامة أن التحدي أمام المغرب لم يعد مرتبطًا فقط بتحقيق النمو، وإنما بتحويل هذا النمو إلى فرص عمل وخدمات عامة يشعر بها الشباب بصورة مباشرة. فالمملكة حققت خطوات كبيرة في الصناعة والبنية التحتية وخفض الفقر، لكن استمرار البطالة المرتفعة بين الشباب وضعف بعض الخدمات يظل عاملًا رئيسيًا وراء استمرار حلم الهجرة إلى أوروبا.
الخلاصة: قصة المغرب الاقتصادية تحمل جانبًا مشرقًا من النمو والاستثمار والتحديث، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن التنمية المستدامة تحتاج إلى ربط المشروعات الكبرى بتحسين فرص العمل والخدمات اليومية، خصوصًا لجيل الشباب الذي يمثل شريحة واسعة من المجتمع.



