مجتمع المنصة 360

في زمن الغلاء والأزمات.. من هو «الكسبان الحقيقي»؟

إيهاب نجاح جندية:

بين من يهرول لحماية أمواله، ومن يمد يده لإنقاذ محتاج.. أين تكون المكاسب الحقيقية؟ في أوقات الأزمات، تتغير حسابات الناس، وتزداد المخاوف بشأن المستقبل، فيبدأ البعض في البحث عن وسائل لحماية مدخراته من الغلاء وتقلبات الأسعار؛ فمنهم من يتجه إلى شراء الذهب، ومن يحوّل مدخراته إلى عملات أجنبية، ومن يفكر في الاستثمار العقاري، بينما يسعى آخرون إلى نقل أموالهم خارج البلاد، بحثًا عن مزيد من الأمان المالي ،كل هذه الحسابات تبدو منطقية من منظور الحياة الدنيا، لكن هناك حسابًا آخر ربما يغفل عنه كثيرون؛ حساب الآخرة.

وهنا يبرز سؤال يستحق أن يتوقف أمامه كل إنسان: من هو الكسبان الحقيقي في زمن الأزمات؟ هل هو من استطاع أن يحافظ على أمواله ويزيد ثروته؟ أم من استطاع أن يجعل مما يملك سببًا في إنقاذ إنسان آخر من الحاجة؟ الحقيقة أن قيمة المال لا تظهر فقط فيما نحتفظ به لأنفسنا، وإنما تظهر أيضًا فيما نستطيع أن نصنعه به من خير. فالإنسان الذي يرى أزمة الناس من حوله، ثم يبحث عن المحتاجين الذين يعرفهم ويثق في ظروفهم، ويقدم لهم ما يستطيع من مال أو طعام، هو في الحقيقة يضع ماله في موضع قد يكون أعظم أثرًا من مجرد الاحتفاظ به.

القرآن يضع أمامنا معيارًا مختلفًا للمكسب يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البلد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ۝ فَكُّ رَقَبَةٍ ۝ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ۝ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ۝ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾

آيات تحمل رسالة شديدة الوضوح: طريق الخير ليس مجرد كلمات، وإنما عمل وبذل وتحمّل للمسؤولية تجاه الآخرين. واللافت أن القرآن يذكر الإطعام في يوم ذي مسغبة؛ أي في وقت الشدة والحاجة.

وهنا تبرز قيمة العطاء بصورة أكبر. فأن تطعم إنسانًا في وقت الرخاء أمر عظيم، لكن أن تقف بجانبه عندما تضيق الأحوال وتزداد الأعباء وتصبح أبسط الاحتياجات عبئًا على بعض الأسر، فذلك موقف إنساني وإيماني لا ينبغي أن نستهين به.

المحتاج لا يحتاج إلى أن يطلب في كل مجتمع هناك أشخاص يحتاجون إلى المساعدة، لكنهم لا يملكون الجرأة على طلبها.
هناك أب يحاول بكل قوته أن يحافظ على شكل بيته أمام الناس، رغم أنه يعاني في صمت. وهناك أم تحاول أن توفر احتياجات أولادها، وتؤجل احتياجاتها هي.

وهناك يتيم يحتاج إلى من يمد له يد العون. وهناك مسكين قد يكون أقرب إلينا مما نتخيل، لكننا لا نعرف حجم ما يمر به.
لذلك، ليس المطلوب دائمًا أن ننتظر من المحتاج أن يأتي ويطلب.

أحيانًا تكون أفضل صدقة هي التي تصل إلى صاحبها قبل أن يضطر إلى السؤال.
ابحث عن المحتاجين من حولك،اسأل عن أقاربك، اطمئن على جيرانك، تفقّد الأسر التي تعرف أنها تمر بظروف صعبة، وساعد بما تستطيع، فربما يكون ما تراه أنت مبلغًا بسيطًا، لكنه بالنسبة لأسرة محتاجة قد يعني وجبة كاملة، أو احتياجًا أساسيًا، أو فرحة صغيرة وسط أيام ثقيلة.

لا تجعل الخوف على الدنيا ينسيك الآخرة من الطبيعي أن يسعى الإنسان إلى تأمين مستقبله، وأن يحافظ على أمواله، وأن يبحث عن أفضل الطرق لاستثمارها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخوف على المال أقوى من الإحساس بالآخرين. عندما يتحول الإنسان إلى شخص لا يرى إلا ما ينقصه، وينسى من حوله ممن لا يملكون حتى الأساسيات.

الدنيا تحتاج إلى تخطيط، نعم. لكن الآخرة تحتاج إلى عمل. فالمال الذي تحفظه لنفسك سينتهي أثره يومًا ما، أما المال الذي تنفقه في الخير، فقد يبقى أثره حتى بعد أن تفارق الدنيا.

ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط: كم استطعت أن تحتفظ من أموالك؟
ولكن أيضًا: كم إنسانًا استطعت أن تساعد؟
وكم كربة استطعت أن تفرّج؟
وكم جائعًا استطعت أن تطعمه؟
لا تنتظر رمضان حتى تتصدق الصدقة ليست موسمًا ينتهي بانتهاء رمضان.

والزكاة لها أحكامها ومواعيدها، ويجب إخراجها عند استحقاقها، ولا ينبغي تأخيرها انتظارًا لموسم معين.

أما الصدقات والتطوع بالخير، فهي أبواب مفتوحة في كل وقت. وإذا كان هناك إنسان يحتاج اليوم، فلا ينبغي أن نقول له: “انتظر حتى يأتي رمضان.” الحاجة لا تنتظر موسمًا، والجوع لا يعرف التقويم. وفي أوقات الأزمات والغلاء، تزداد مسؤوليتنا الاجتماعية تجاه بعضنا البعض.

فمن استطاع أن يساعد، فليساعد. ومن استطاع أن يطعم، فليطعم. ومن استطاع أن يفرّج كربة، فليفعل. وليتذكر كل واحد منا أن الخير لا يشترط أن يكون كبيرًا حتى يكون مؤثرًا.
المكسب الحقيقي ربما يستطيع الإنسان أن يشتري ذهبًا، أو يملك عقارًا، أو يزيد رصيده، أو يحافظ على مدخراته. لكن هناك استثمارًا من نوع آخر…

أن تجعل جزءًا من مالك سببًا في ستر إنسان، أو إطعام جائع، أو تفريج كربة، أو مساعدة يتيم أو مسكين. ذلك هو المال الذي يتحول من مجرد أرقام إلى أثر. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: “ماذا استطعت أن تجمع؟” بل: “ماذا استطعت أن تقدم؟” ففي زمن الأزمات، تظهر معادن الناس. ويظل الكسبان الحقيقي هو من استطاع أن يحافظ على قلبه رحيمًا، ويده ممتدة بالخير، وماله بابًا من أبواب تفريج كرب الناس. اللهم ارفع عنا البلاء والغلاء، وارزق المحتاج، وأطعم الجائع، واكفِ الفقير، وفرّج كرب المكروبين، واجعلنا من أهل الخير والعطاء. اللهم اجعل أموالنا عونًا لنا على طاعتك، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، واجعل لنا نصيبًا من كل خير نقدمه لعبادك. آمين يا رب العالمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى