من 1896 إلى 2026.. نادر الصيرفي يكشف كيف اختفى “سوء السلوك” من تشريعات المسيحيين
القاهرة : هدى العيسوى – للمرة الرابعة على التوالي، حلّ د. نادر الصيرفي، المحامي بالاستئناف والباحث في تشريعات الأحوال الشخصية للمسيحيين، ضيفًا على قناة الشمس، بعد سلسلة من الحلقات التي أثارت اهتمامًا واسعًا لدى الرأي العام، مع الإعلاميين علا شوشة ومحمد الغيطي وتامر عبد المنعم.
وفي حلقة جديدة اتسمت بالإثارة والجرأة، استضافت الإعلامية نهى مجدي د. نادر الصيرفي لمناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، حيث طرحت عليه عددًا من الحالات الواقعية لأزواج وزوجات يطلبون الطلاق، مطالبة إياه بتوضيح الحلول التي يقدمها المشروع لهذه الحالات.
نادر الصيرفي والزنا الحكمي
وجاءت الإجابات صادمة في كثير من جوانبها، إذ انتقد الصيرفي للمرة الأولى وبصراحة ما يطرحه المستشار منصف سليمان، ممثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بشأن مفهوم الزنا الحكمي، مؤكدًا أن العديد من الحالات التي جرى تضمينها تحت هذا الوصف لا تمثل زنا حكميًا بالمعنى القانوني والقضائي المستقر، وإنما تندرج ضمن مقدمات الزنا أو الشروع فيه أو مجرد سوء سلوك.
وأوضح أن الزنا الحكمي ليس كل تصرف يدل على الخيانة الزوجية أو يثير الشكوك، بل هو واقعة محددة تنبئ بذاتها وبصورة قاطعة على وقوع الزنا، وهو ما استقرت عليه أحكام القضاء المصري عبر عقود طويلة، مضيفًا أن التوسع في هذا المفهوم يخلق إشكاليات عملية وقانونية جسيمة أمام المحاكم.
كما انتقد الصيرفي موقف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من استبعاد “سوء السلوك” من أسباب التطليق منذ تعديل لائحة 1938 عام 2008، وعدم إدراجه ضمن مشروع القانون الحالي حتى في إطار الطلاق المدني، رغم أنه كان سببًا معترفًا به في التشريعات الكنسية للأقباط الأرثوذكس منذ الخلاصة القانونية للأحوال الشخصية سنة 1896، وظل قائمًا في القوانين الملية خلال العهد العثماني.

وفي إجابة وصفها كثيرون بأنها تكشف إحدى أخطر ثغرات المشروع، أوضح الصيرفي أن الزوج الذي يقيم دعوى تطليق للزنا الحكمي وتُرفض دعواه لا يستطيع إعادة رفعها للسبب ذاته احترامًا لحجية الأحكام القضائية. وأضاف أنه في ظل غياب سوء السلوك كسبب مستقل للطلاق، يصبح القانون عاجزًا عن توفير حماية مدنية فعالة للزوج المتضرر من تصرفات زوجته التي لا ترقى إلى درجة الزنا الحكمي، متسائلًا: “هل يقبل المشرع أن يعيش الزوج في ظل علاقة مشبوهة أو ارتباط بآخر ما دامت لم تصل إلى حد الزنا الكامل؟”.
وتساءل الصيرفي عن الأساس الذي اعتمده واضعو المشروع في تقسيم الطلاق إلى ديني ومدني، قائلًا: “إذا كان الطلاق المدني هو كل طلاق لغير علة الزنا، فلماذا لا تندرج تحته جميع الحالات العملية التي يشهدها المجتمع؟ خاصة وأن غالبية الطوائف المسيحية تعترف ببعض هذه الأسباب كتطليق ديني أصلاً”.
وكشف للمرة الأولى أنه صاحب طرح سابق لفكرة الطلاق المدني، حيث سبق أن عرضها خلال مناقشات الأحوال الشخصية التي انعقدت بدير الأنبا بيشوي عام 2013، وتم توثيقها في مذكرة وقعتها رابطة حماة الإيمان الأرثوذكسية. وأوضح أن الفكرة الأصلية لم تكن قائمة على تقسيم أسباب الطلاق إلى دينية ومدنية، وإنما على الفصل بين أسباب الطلاق وبين التصريح بالزواج الثاني، معتبرًا أن المشروع الحالي أخذ الفكرة لكنه لم يطبقها بالصورة التي طُرحت بها.
وأضاف متسائلًا: “أليس الطلاق للزنا طلاقًا مدنيًا أيضًا؟”. كما انتقد الصيرفي قصر المشروع على عدد محدود من الطوائف المسيحية دون غيرها، معتبرًا أن ذلك يؤدي إلى استبعاد فئات من المسيحيين المصريين دون مبرر موضوعي، في الوقت الذي يجعل فيه الانضمام إلى بعض هذه الطوائف سببًا من أسباب الطلاق الديني.
وأكد أن المشروع لا يقدم حلولًا جذرية للأزمات المتراكمة في ملف الأحوال الشخصية، بل يعيد – في بعض جوانبه – إنتاج المشكلات التاريخية التي نشأت عقب إلغاء المحاكم الملية سنة 1955 دون توحيد القواعد الموضوعية المنظمة للأحوال الشخصية بين الطوائف المختلفة.
واختتم الصيرفي حديثه بالتأكيد على أن مشروع القانون أضاع فرصة تشريعية تاريخية لتحقيق قدر أكبر من التوحيد بين الطوائف المسيحية، داعيًا إلى إعادة النظر في عدد من مواده بما يحقق التوازن بين المبادئ الدينية ومتطلبات العدالة القانونية والواقع الاجتماعي المعاصر.



