من لغة واحدة… حين تكلم العالم بلسان واحد

إيهاب نجاح جنديه
في زمنٍ بعيدٍ جدًا، حين كانت الأرض ما زالت شابة، خرج نسل البشر من بعد نجاةٍ عظيمة.
كان العالم هادئًا، والجبال صامتة، والأنهار تجري وكأنها تحفظ سرًّا قديمًا لا يعرفه أحد.
وكان البشر… مختلفين عن كل ما سيأتي بعدهم.
لم يكن بينهم لغات متعددة، ولا لهجات متفرقة.
كانوا يتحدثون جميعًا بلغة واحدة…
لغة يفهمها القلب قبل الأذن، وتصل المعنى قبل أن تُنطق الكلمة.
إذا قال أحدهم “تعال”، فهمها الجميع.
وإذا بكى طفل، عرفوا جميعًا سبب بكائه دون شرح.
كانت الحياة بسيطة… لكنها قوية بوحدتها.
ومع مرور السنوات، بدأ الناس ينتشرون في الأرض.
كل عائلة تسير نحو جهة، وكل قبيلة تبحث عن مكان جديد تعيش فيه.
لكن شيئًا خفيًا بدأ يتسلل بهدوء…
المسافات.

في البداية كانت المسافات أيامًا من السير، ثم صارت شهورًا، ثم سنوات.
ومع البعد… بدأت الكلمات تتغير قليلًا.
كلمة تُنطق بطريقة هنا… تُنسى هناك.
ونبرة صوت تُفهم في مكان… وتُبدَّل في مكان آخر.
حتى جاء اليوم الذي اجتمعت فيه مجموعة كبيرة من الناس في أرضٍ واسعة، وقالوا:
— لن نصنع مجرد بيوت… سنبني مدينة عظيمة لا تُنسى.
وفي وسط الحماس، خرجت فكرة أكبر:
— لنصنع برجًا يصل إلى السماء… ليكون علامة قوتنا ووحدتنا!
ارتفعت الأصوات، وامتلأت القلوب بالحماسة…
لكن داخل هذه الحماسة، بدأ شيء آخر يكبر بصمت: الغرور.
وفي ليلةٍ هادئة، بينما كان البناء يبدأ، حدث ما لم يتوقعه أحد…
في الصباح التالي، وقف رجل ينادي صديقه:
— أعطني الحجر!
لكن صديقه لم يفهم.
رد عليه بلغةٍ مختلفة.
ثم بدأت الفوضى…
هذا يتكلم فلا يُفهم، وذاك يصرخ فلا يُستجاب له.
القلوب ما زالت قريبة… لكن الألسنة أصبحت غريبة.
توقف البناء.
وسقطت الخطط.
وانقسم الناس في لحظاتٍ قصيرة إلى مجموعات لا تفهم بعضها.
الذي كان أخًا بالأمس… صار غريبًا اليوم.
وبينما كانوا يتفرقون في الأرض، كان كل قومٍ يسير نحو مصيرٍ جديد، يحمل لغة جديدة، وصوتًا جديدًا، وحكاية مختلفة.
لكن وسط هذا الشتات… بقيت حقيقة واحدة لا تُنسى:
أنهم جميعًا بدأوا من كلمة واحدة…
ثم صارت الكلمات أكثر من أن تُحصى.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الأرض تتكلم بلسانٍ واحد…
بل أصبحت تروي قصتها بألف لغة، وكل لغة تحمل جزءًا من الحكاية الأولى.



