اخبار الخليج

تشابك الضغط بين الرياض وإيران وتل أبيب.. معركة الممرات الاقتصادية

يقلم الكاتب العراقي : محمد الماس | تقف المنطقة على شفا تحول استراتيجي غير مسبوق يعيد تشكيل المعادلة الجيوسياسية برمتها، فيما يوصف بـ معركة الممرات الاقتصادية.

في لحظة فارقة تشهد إعادة رسم الخرائط وتفكيك التوازنات الإقليمية العتيقة، يتصدر الشرق الأوسط المشهد بوصفه مسرحًا لصراع ممرات الطاقة وجبهات النفوذ، حيث تتصادم الإرادات بين مطارق الضغوط الأمريكية وشبكات الردع الإيرانية. إنها ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، وإنما معركة استراتيجية شاملة تُدار بأوراق إقليمية معقدة لفرض معادلات جديدة تشكل مستقبل النظام الإقليمي بأسره.

معركة الممرات الاقتصادية

تشهد المنطقة تقاطعات جيوسياسية شديدة التداخل، حيث تتصاعد الضغوط المتواصلة التي يمارسها ترامب ضد النظام الإيراني، الذي يجد نفسه في مواجهة تطويق منهجي يمتد عبر حدوده الجغرافية كافة، وصولًا إلى الجبهة الشمالية. وفي هذا السياق، تبرز استراتيجية طهران القائمة على إعادة التوازن عبر حشد أوراق قوتها الإقليمية، وعلى رأسها جماعة الحوثي في اليمن، للسيطرة الميدانية على مضيق باب المندب كأداة ردع في مواجهة التحركات الأمريكية الهادفة إلى تقييد الملاحة في مضيق هرمز ومحاصرة الصادرات النفطية.

تشابك الضغط بين الرياض وإيران وتل أبيب.. معركة الممرات الاقتصادية
من مضيق هرمز إلى الممرات البرية.. صراع الشرق والغرب يشعل القوقاز

وتتجلى دقة الموقف في القراءة الإيرانية للمشهد، حيث يدرك القادة في طهران تمامًا الحدود الحاكمة لما يُعد استفزازًا يستوجب ردود فعل إقليمية مباشرة، لا سيما في الملف اليمني والحظر الجوي المرتبط به. ومن هذا المنطلق، فإن التحركات الإيرانية في المسارات البحرية ومحيط باب المندب لا تأتي من باب الرغبة في التصعيد أو إشاعة الاضطراب، وإنما تندرج في إطار الدفاع عن مصالحها الحيوية ومواجهة الحصار الخانق المفروض عليها. كما تأتي هذه التطورات استجابة للضغوط والتحركات الأمريكية والإسرائيلية والأذربيجانية الرامية إلى فرض واقع جديد في المحافظات الشمالية، وتمرير ممر «زنغزور» الذي يهدد بقطع شرايين التجارة الشمالية الحيوية لإيران.

السعودية ومعركة الممرات الاقتصادية

من جهتها، وجدت السعودية نفسها أمام خيارات استراتيجية حاسمة. فبينما كان بمقدورها تفادي التصعيد المباشر والتغاضي الاستثنائي عن واقعة الطائرة الإيرانية، فإن الرياض قرأت هذا التحرك، الذي جاء أساسًا في إطار حماية طهران لمصالحها ونفوذها، على أنه يمس بالموازنات القائمة في باب المندب والملاحة النفطية والاستثمارية. وهذا الفهم السعودي هو ما دفع الرياض إلى اتخاذ موقف المواجهة، الذي شكل بدوره غطاءً كافيًا لترامب لتدشين مرحلة أوسع من الضغط على إيران.

اللافت في هذا المشهد أن الزج بالسعودية في استحقاقات المواجهة المباشرة يخدم المصالح الإسرائيلية بشكل كبير في الوقت الراهن، خصوصًا مع التوتر الصامت حول المشروع الاقتصادي الكلي المتمثل في ممر الهند – أوروبا. إذ تتمسك الرياض بموقفها الصلب الرافض لمرور الشحن عبر الموانئ الإسرائيلية، وتصر على تحويل المسار نحو الأراضي السورية وصولًا إلى الأراضي الأوروبية مستقبلًا.

وقد دفع هذا الموقف السعودي تل أبيب إلى استخدام ورقة المكون الدرزي في الجنوب السوري لتعطيل الممر السوري وإبقائه منطقة نفوذ مضطربة، فضلًا عن توجيه ضربات عسكرية ضد الحوثيين كرسالة ردع بعد طول انتظار وتأجيل.

إن المنطقة تقف اليوم عند نقطة فارقة تتزامن فيها عملية حسم ملف إيران ونفوذها الإقليمي مع حسم معركة الممرات الدولية وخطوط الغاز والتجارة عبر الشرق الأوسط، وهي معركة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والاقتصاد في المنطقة لعقود مقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى