كيف انهارت الدبلوماسية الأمريكية في عهد ترامب؟
عندما حذر دونالد ترامب إيران في السابع من أبريل نيسان من أن “حضارة كاملة ستفنى الليلة”، قال دبلوماسي أوروبي في واشنطن إن حكومته تريد إجابة عاجلة على سؤال مثير للقلق: هل كان الرئيس الأمريكي يفكر في استخدام سلاح نووي؟
وفي مختلف أنحاء أوروبا وآسيا، تجاوز القلق مسألة ما إذا كان تهديد ترامب الكارثي جديا أم مجرد وعيد. وقال الدبلوماسي إن أحد المخاوف كان أن تستغل روسيا الفرصة لتبرير تهديدات مماثلة في أوكرانيا، مما يؤدي إلى أزمة نووية في قارتين.
وسعت الحكومات الأوروبية على الفور للحصول على تطمينات عبر القناة التقليدية: وزارة الخارجية الأمريكية. لكن وفقا للدبلوماسي، قدم المسؤولون هناك ردا مقلقا: إنهم لا يعرفون ماذا قصد ترامب أو ما هي الإجراءات التي قد تنذر بها كلماته.
تشير هذه الواقعة، التي لم يكشف عنها من قبل، إلى انهيار تاريخي للدبلوماسية الأمريكية. ففي وقت يقود الولايات المتحدة رئيس يصعب جدا توقع تصرفاته وقراراته، يهز الأسواق والعواصم بتصريحاته المثيرة، تسعى الحكومات في جميع أنحاء العالم جاهدة للحصول على توضيحات، لتفاجأ بأن قنوات الاتصال المعتادة، سواء في السفارات الأمريكية أو داخل واشنطن، غائبة أو صامتة أو لا تملك أي معلومات. وما لا يقل عن نصف مناصب سفراء الولايات المتحدة البالغ عددها 195 منصبا في جميع أنحاء العالم شاغرة حاليا.
إدارة ترامب تقوض قدرة واشنطن
قالت مارجريت ماكميلان، أستاذة التاريخ الدولي بجامعة أكسفورد، إن إدارة ترامب تقوض قدرة واشنطن على فهم العالم الذي تعمل فيه، مما يزيد من خطر عدم الاستقرار العالمي. وأردفت قائلة “لن نتمكن من استخدام الدبلوماسية كما فعلنا في كثير من الأحيان من قبل: لبناء العلاقات، والتوصل إلى اتفاقات تعود بالنفع على الجانبين، وتجنب الحروب وإنهائها”.
وترفض إدارة ترامب فكرة الانهيار، قائلة إن التغييرات عززت الدبلوماسية الأمريكية وبسطت عملية صنع القرار. وقال تومي بيجوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية “للرئيس الحق في تحديد من يمثل الشعب الأمريكي ومصالحه في جميع أنحاء العالم”.

يستند هذا التقرير عن الاضطرابات في الدبلوماسية الأمريكية إلى مقابلات مع ما يربو على 50 من كبار الدبلوماسيين ومسؤولي البيت الأبيض وسفراء تقاعدوا في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى العشرات من المسؤولين الأجانب والدبلوماسيين والمشرعين في مختلف أنحاء أوروبا وآسيا.
ومع إزاحة الدبلوماسيين الأمريكيين المخضرمين أو تهميشهم، يغير حلفاء الولايات المتحدة طريقة تعاملهم مع واشنطن. وبدلا من الاعتماد على السفارات أو القنوات الرسمية، تقول الحكومات الأجنبية إنها تعيد تنظيم دبلوماسيتها لتتمحور حول دائرة صغيرة من الأشخاص الذين يمكنهم التواصل مباشرة مع الرئيس، مما يترك كثيرين يعتمدون على القنوات الخلفية للتعامل مع قوة عظمى أصبحت مواقفها أقل اتساقا.
وفي الوقت الراهن، يعتقد بعض حلفاء الولايات المتحدة أن أنجع أسلوب للتعامل مع رئيس متقلب المزاج هو عدم أخذ تصريحاته على مأخذ الجد.
تجلى هذا النهج بعد أن أثار تهديد ترامب بإبادة إيران مخاوف من اندلاع حرب نووية. وردا على ذلك، صاغ مسؤولون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما وصفه دبلوماسي أوروبي ببيان مشترك “شديد اللهجة” في وقت لاحق من ذاك اليوم. لكنهم اختاروا عدم إصداره، معتبرين لغة ترامب مجرد تهديدات جوفاء وأن التوبيخ العلني قد يدفعه إلى مواصلة القصف. وبحلول المساء، أعلن ترامب وقفا لإطلاق النار لمدة أسبوعين مع إيران.
ولم ترد وزارات الخارجية البريطانية والفرنسية والألمانية على طلبات للحصول على تعقيب.
توضح هذه الواقعة، التي لم تنشر من قبل أيضا، النهج الذي يتبعه عدد من الحلفاء الآن: ضبط النفس بدلا من المواجهة. لكن دبلوماسيين قالوا إن الاستخفاف المتكرر بتهديدات ترامب أمر خطير أيضا لأنه قد يحد من قدرتهم على الاستجابة عند اندلاع أزمة جديدة.
وبعد أكثر من عام على ولاية ترامب الثانية، بات النفوذ والمعلومات حكرا بشكل متزايد على حفنة من المبعوثين، أبرزهم جاريد كوشنر صهر ترامب، والمطور العقاري ستيف ويتكوف وهو صديق الرئيس منذ فترة طويلة. ولا يتولى كوشنر أي منصب حكومي رسمي، ولا يمتلك ويتكوف أي خبرة دبلوماسية سابقة. لكن رويترز وجدت أن بعض الحكومات الأجنبية تعطي الآن الأولوية للتواصل معهما على القنوات الرسمية.
ولم يرد كوشنر وويتكوف على طلبات للحصول على تعليق.
وسعت دول أخرى إلى فتح قنوات غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض. فقد تجاوز المسؤولون الكوريون الجنوبيون المفاوضين التجاريين الأمريكيين وأقاموا علاقات مباشرة مع كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، التي شعروا أنها قادرة على تفسير النوايا الحقيقية لترامب في خضم أزمة الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب بنسبة 25 بالمئة. ووجدت اليابان وسيطا غير متوقع في ماسايوشي سون مؤسس سوفت بنك الذي يلعب الجولف مع ترامب.
كانت وزارة الخارجية هدفا مبكرا في ولاية ترامب الثانية. ففي أبريل نيسان 2025، وصف وزير الخارجية ماركو روبيو الوزارة بأنها بيروقراطية “متضخمة” تسيطر عليها “أيديولوجية سياسية متطرفة” وأعلن عن “خطة إعادة تنظيم شاملة”. وقد تم التلميح إلى هذه الجهود في “مشروع 2025″، وهو مخطط سياسي نشرته في عام 2023 مؤسسة هيريتيج، وهي مركز أبحاث يميني في واشنطن. ودعت الخطة إلى وزارة خارجية أكثر ركفاءة تضم مزيدا من المعينين الذين يتم اختيارهم بسبب قربهم من الإدارة أو توجهاتهم السياسية، مع استبعاد السفراء المحترفين الذين لا تنسجم مواقفهم مع توجهات الإدارة.
غادر حوالي 3000 موظف وزارة الخارجية العام الماضي، فُصل نصفهم تقريبا وقبل الآخرون عروض الاستقالة مقابل تعويضات، وهو ما يقارب 15 بالمئة من عدد العاملين داخل الولايات المتحدة. ثم في ديسمبر كانون الأول، أمر روبيو باستدعاء لم يسبق له مثيل لحوالي 30 سفيرا من جميع أنحاء العالم.
ووعد روبيو العام الماضي بأن تسهم إعادة الهيكلة في “تمكين الوزارة من القاعدة إلى القمة، من المكاتب إلى السفارات”. لكن اليوم، هناك 109 من أصل 195 منصبا لسفراء الولايات المتحدة شاغرة في جميع أنحاء العالم، بحسب الجمعية الأمريكية للخدمة الخارجية، وهي نقابة الدبلوماسيين.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن التغييرات “جعلت حكومتنا أكثر كفاءة وأقل تضخما وأكثر قدرة على تنفيذ سياسة الرئيس الخارجية بفاعلية”.
تترك الهيكلية الجديدة واشنطن بعدد أقل من كبار الدبلوماسيين على الأرض في منطقة حرب رئيسية. ثمة خمس دول من الدول السبع المجاورة لإيران، وأربع دول من دول الخليج الست، بلا سفير أمريكي.
ويتم إدارة الكثير من السفارات الأمريكية الآن من قبل القائمين بالأعمال، وهم دبلوماسيون يعملون بالإنابة، بدلا من السفراء المعتمدين من مجلس الشيوخ، وهو ما تعتبره بعض الدول خفضا لمستوى العلاقات الدبلوماسية. وقال سفراء أمريكيون سابقون ومسؤولون في وزارة الخارجية إن تراجع الوجود الدبلوماسي ساهم في حدوث فوضى عارمة لإجلاء الأمريكيين من المنطقة عندما بدأ ترامب الحرب مع إيران.
وقالت باربرا ليف، الدبلوماسية المتقاعدة التي شغلت منصب سفيرة الولايات المتحدة لدى الإمارات في عهد إدارة ترامب الأولى ومنصب مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى في عهد الرئيس السابق جو بايدن “يجب أن يكون لهذه البعثات سفراء عندما تكون في حالة حرب… في لحظة الأزمة – وهي أزمة بلا نهاية واضحة – تركت هذه الإدارة هذه البعثات في حالة محفوفة بالمخاطر”.
وقال بيجوت إن السفارات الأمريكية أبلت بلاء حسنا خلال الحرب مع إيران، وإنها “مزودة بعدد كاف من الموظفين”.
ترامب وظاهرة التطهير الدبلوماسي
بالنسبة إلى بريدجيت برينك، كان الانقسام بين إدارة ترامب ودبلوماسييها المنتشرين في أنحاء العالم مسألة حياة أو موت.
كانت برينك سفيرة الولايات المتحدة في كييف عندما عاد ترامب إلى منصبه. في مارس آذار 2025، بعد أيام قليلة من لقاء ترامب المثير مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، قطعت الولايات المتحدة المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. وقالت برينك إن الأسلحة شملت ذخائر الدفاع الجوي التي ساعدت في حماية ليس فقط الأوكرانيين، بل أيضا موظفي السفارة الأمريكية من الطائرات المسيرة والصواريخ الروسية.
قالت برينك في مقابلة “كان لدي ألف شخص، جميعهم مدنيون، على الأرض… وكنا تحت حماية الأوكرانيين الذين يستخدمون معدات أمريكية ومعدات أخرى”.
وقالت إن وقف المساعدات العسكرية جاء دون سابق إنذار. وأضافت “عندما حاولنا معرفة سبب وقفها، لم نحصل على أي إجابة”. وتواصلت برينك مع البنتاجون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض وقالت “كل مكان استطعنا الوصول إليه، لأننا كنا قلقين للغاية بشأن ما يعنيه هذا الأمر ليس فقط للأوكرانيين، بل لأمننا أيضا”. ولم يرد البنتاجون على طلب رويترز للتعليق على روايتها.
وقالت برينك إن طاقمها عمل خلف الكواليس لإقناع إدارة ترامب باستئناف المساعدات، وهو ما وافقت عليه في 11 مارس آذار. لكنها قالت إنها لم تتلق قط تأكيدا رسميا عن سبب وقف المساعدات في المقام الأول.
أدت عمليات التسريح في مجلس الأمن القومي، الذي ينسق تقليديا السياسة الخارجية والدفاعية في البيت الأبيض، إلى توتر العلاقات بين إدارة ترامب وسفاراتها. وفي عام 2025، خفض ترامب عدد موظفي مجلس الأمن القومي من مئات الأشخاص إلى بضع عشرات فقط.
وعلى مدى أشهر، لم يعقد موظفو مجلس الأمن القومي أي اجتماعات منتظمة وواجهوا حظرا فعليا على عقد اجتماعات مشتركة بين الوكالات بشأن الأمن القومي والسياسة الخارجية، وفقا لثلاثة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين في واشنطن. وقال المسؤول في البيت الأبيض إن مجلس الأمن القومي لم يوقف الاجتماعات المنتظمة أو المشتركة بين الوكالات، لكنها كانت أصغر حجما وتركزت على أولويات ترامب.
خلال تلك الفترة، قال عديد من المسؤولين إن الموظفين تلقوا القليل من التوجيهات الرسمية بشأن الموضوعات الرئيسية مثل الحرب في أوكرانيا أو مستقبل حلف شمال الأطلسي. وبدلا من ذلك، كانوا يراقبون حساب ترامب على منصة تروث سوشال بحثا عن إشارات سياسية. وقال المسؤولون إن كثيرا من موظفي مجلس الأمن القومي أبقوا حساب ترامب مفتوحا على شاشة مخصصة واستجابوا بسرعة عندما وضع منشورات.
في عهد بايدن، كانت برينك تشارك بانتظام في اجتماعات مجلس الأمن القومي لتطوير وتنسيق سياسة معقدة في زمن الحرب بين واشنطن وسفارة كييف. وفي عهد ترامب، توقفت تلك الاجتماعات، حسبما قالت برينك. وبدلا من ذلك، طُلب منها “مجرد الاتصال بالناس”، وهو نهج وصفته بأنه غير فعال وغير قابل للتطبيق في منطقة صراع حيث كانت الهجمات الروسية روتينية. وقالت “نحن نسبق بسبع ساعات ونكون في المخبأ كل ليلة تقريبا”.
وقالت إن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت سياسة “الاسترضاء” التي انتهجها ترامب بشأن أوكرانيا، متمثلة في السعي إلى توثيق العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع إلقاء اللوم على أوكرانيا في العدوان الروسي. واستقالت احتجاجا في أبريل نيسان 2025. وبعد شهرين، أعلنت ترشحها في انتخابات مجلس النواب الأمريكي عن الحزب الديمقراطي في ولاية ميشيجان.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في 28 أبريل نيسان إن خليفتها، جولي ديفيس، التي شغلت منصب القائمة بالأعمال، ستستقيل أيضا وتتقاعد في يونيو حزيران. وقال المتحدث باسم الوزارة بيجوت إن ديفيس تتقاعد بعد “مسيرة متميزة امتدت 30 عاما” في السلك الدبلوماسي.
وقد انتهت فترات كثيرين من الدبلوماسيين المحترفين الآخرين بشكل مفاجئ. فقبل أسبوع من عيد الميلاد، طُلب من حوالي 30 دبلوماسيا ترك مناصبهم بحلول منتصف يناير كانون الثاني، وهو استدعاء جاء في الغالب دون سابق إنذار أو تفسير. وأطلق بعض السفراء المغادرين عليه في جلساتهم الخاصة “مذبحة ليلة السبت”، وهي عبارة من حقبة ووترجيت تُستخدم الآن لوصف عمليات الفصل الجماعي للمسؤولين.
ينقسم السفراء الأمريكيون إلى فئتين: الدبلوماسيون المحترفون والمعينون سياسيا. يرشح الرئيس الفئتين ويصدق على تعيينهم مجلس الشيوخ. ويفخر الدبلوماسيون المحترفون تقليديا بكونهم غير حزبيين وغالبا ما يتمتعون بخبرة تمتد لعقود. أما المعينون سياسيا فهم عادة من كبار المتبرعين للحملات الانتخابية، أو مشرعين سابقين، أو حلفاء مقربين للرئيس، وقد يكون لديهم خبرة دبلوماسية قليلة أو معدومة.
وفي الإدارات الأمريكية على مدى ما يقرب من 50 عاما، شكل الدبلوماسيون المحترفون عادة ما بين 57 و74 بالمئة من السفراء، وفقا للجمعية الأمريكية للخدمة الخارجية. وفي ولاية ترامب الثانية، يمثل الدبلوماسيون المحترفون حوالي 9 بالمئة من السفراء المعينين، وهو انخفاض كبير في الخبرة المؤسسية التي قادت الدبلوماسية الأمريكية تاريخيا.
كان معظم السفراء الذين تم استدعاؤهم في ديسمبر كانون الأول من الدبلوماسيين المحترفين الذين تم تعيينهم في مناصبهم الحالية في عهد بايدن، لكنهم خدموا أيضا في إدارات جمهورية، بما في ذلك إدارة ترامب. على سبيل المثال، عملت برينك، السفيرة في أوكرانيا، مع خمسة رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين، بمن فيهم ترامب في ولايته الأولى.
وقالت وزارة الخارجية إن الاستدعاء الجماعي كان “إجراء معتادا” وإن البدلاء سيمثلون ترامب ويعملون على تعزيز أجندة “أمريكا أولا”، التي يقول البيت الأبيض إنها “ستدافع عن المصالح الأمريكية الأساسية”.
لا يزال هناك أكثر من 100 منصب سفير شاغر في جميع أنحاء العالم. قال بريان نيكولز، الذي شغل منصب سفير لرؤساء ديمقراطيين وجمهوريين من 2014 إلى 2021 في بيرو وزيمبابوي “نحن نمارس دبلوماسيتنا وإحدى ذراعينا مقيدة خلف ظهورنا”.
على هذه الخلفية، تظهر مجموعة جديدة من الدبلوماسيين المتوافقين مع أجندة ترامب.
فتسعى منظمة (بن فرانكلين فيلوشيب)، التي تأسست عام 2024، إلى تحديد وتعزيز وجود المحافظين داخل وزارة الخارجية ومواجهة ما يصفه قادتها بالتحيز ضدهم. قال المؤسس المشارك فيليب ليندرمان “يأتي إلينا الكثير من المسؤولين المعتدلين –رجال، رجال بيض– ويقولون: ‘أنا مهمش تماما بسبب برنامج التنوع والإنصاف والاندماج'”، الذي كان سائدا في الإدارات السابقة.
تضم المجموعة الآن حوالي 95 زميلا على موقعها الإلكتروني، بمن فيهم نائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو. وقال ليندرمان، وهو دبلوماسي سابق، إن 250 عضوا آخرين، معظمهم من الدبلوماسيين النشطين، يخفون هوياتهم لتجنب الانتقام من الإدارات الديمقراطية المستقبلية.
ومن بين أكبر الداعمين الماليين للزمالة مؤسسة هيريتيج، التي صممت (مشروع 2025). وفي العام الماضي، قدمت هيريتيج للمنظمة منحة بقيمة 100 ألف دولار، مما ساعد فعليا في المضي قدما بإحدى التوصيات الرئيسية (لمشروع 2025) ألا وهي إعادة تشكيل القوى العاملة التي تعتبرها معادية للإدارات المحافظة. وأبلغت هيريتيج رويترز أنها تدعم كثيرا من المنظمات الأمريكية لكنها لا تمارس أي “سيطرة مباشرة” عليها.
وتهدف المنحة إلى مساعدة ترامب على تجنب تعيين موظفين في وزارة الخارجية قد يعرقلون أجندته، حسبما قال ليندرمان ومات بويس، وهو دبلوماسي سابق آخر ومؤسس مشارك للمنحة وزميل أقدم في معهد هدسون، وهو مركز أبحاث محافظ. تنظم المجموعة ندوات للتواصل، وتجند أعضاء في الجامعات، وتقدم المشورة لإدارة ترامب بشأن الدبلوماسيين المحترفين الذين تعتبرهم نشطاء فكريا. وقال بويس لرويترز “نحن نساعدهم على معرفة، إذا أرادوا ذلك، ما إذا كان شخص ما جزءا من المقاومة”.
وعبر 18 سفيرا سابقا عن قلقهم من أن أعضاء زمالة بن فرانكلين يتم ترقيتهم بسرعة إلى مناصب عليا قبل أشخاص أكثر خبرة. وقال بيجوت إن وزارة الخارجية “لا تتخذ قرارات تتعلق بالموظفين بناء على المشاركة في مجموعات خارجية أو حصص ديموغرافية”.
صعود دولة المبعوثين
تجاهل ترامب السفارات بشكل متزايد، وعهد بالدبلوماسية الحساسة إلى مبعوثين خاصين، أبرزهم كوشنر وويتكوف، وهما المفاوضان الرئيسيان في حروب أوكرانيا وغزة وإيران.
في الفترة التي سبقت الحرب مع إيران، التقى كوشنر وويتكوف بمسؤولين إيرانيين في جنيف في أواخر فبراير شباط، لكنهما لم يصطحبا معهما خبراء نوويين أمريكيين، وفقا لمسؤولين أوروبيين شاركوا في المناقشات. وفي الأشهر التسعة السابقة، طردت إدارة ترامب ما لا يقل عن ستة خبراء نوويين في الشؤون الإيرانية، من بينهم نيت سوانسون، وهو دبلوماسي محترف عمل في قضايا إيران عبر عدة إدارات.
ساعد سوانسون في تنفيذ الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران عام 2015. وقد تمت صياغة هذا الاتفاق الفني للغاية، الذي وافقت فيه إيران على تقييد برنامجها النووي بشكل كبير مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المتعلقة بالبرنامج النووي، من قبل فرق كبيرة من الدبلوماسيين والخبراء. وقد انسحب ترامب من الاتفاق في عام 2018. وقال سوانسون إن ويتكوف اتصل به في أبريل نيسان من العام الماضي ليطلب منه العودة للانضمام إلى المحادثات المتجددة مع طهران. في ذلك الوقت، كان سوانسون يعمل في مكتب تنسيق العقوبات التابع لوزارة الخارجية.
ومع ذلك، مرت أسابيع دون عقد أي اجتماعات بشأن إيران، بحسب سوانسون. وقال عن ويتكوف، الذي كان يتنقل أيضا بين المحادثات حول أوكرانيا وغزة “كان لديه الكثير من المهام… لم يكن لدينا أي مساهمة”. وقال سوانسون إنه لم يمض وقت طويل حتى “توقفت الإدارة عن طلب المشورة”.
وبعد أقل من شهرين من انضمامه إلى فريق التفاوض التابع لويتكوف، تم فصل سوانسون بعد أن سخرت منه المؤثرة اليمينية لورا لومر على وسائل التواصل الاجتماعي ووصفته بأنه “من بقايا عهد أوباما”. ومنذ ذلك الحين، انضم إلى مركز أبحاث المجلس الأطلسي بصفته كبير باحثين. ولم ترد لومر على طلب للتعليق من رويترز.
وقال دبلوماسي أوروبي كبير إن الفريق الأمريكي واجه صعوبة في فهم أهمية عتبات تخصيب اليورانيوم المختلفة وعناصر أخرى من برنامج إيران النووي خلال المحادثات الأخيرة في جنيف، مما أجبر المسؤولين الأوروبيين على شرحها. وقال الدبلوماسي “كيف يمكنك التفاوض وأنت لا تفهم الأساسيات؟”.
وفي 28 فبراير شباط، بعد فشل محادثات جنيف، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران. في ذلك اليوم، ومرة أخرى في الثالث من مارس آذار، أطلع ويتكوف الصحفيين على المفاوضات. وأشارت تلك الإحاطات إلى أنه أخطأ في تفسير اقتراح إيران، مبالغا في التهديد النووي الإيراني من خلال الخلط بين التخصيب المحدود لليورانيوم وتحويله إلى أسلحة في المدى القريب، حسبما قالت كيلسي دافنبورت من جمعية مراقبة الأسلحة، وهي منظمة مقرها واشنطن تدافع عن سياسات فعالة لمراقبة الأسلحة. وقد راجعت دافنبورت التسجيلات والنصوص التي قدمها المشاركون في الإحاطات.
وقالت دافنبورت إن تصريحات ويتكوف احتوت على الكثير من الأخطاء التي تشير إلى “عدم الكفاءة الفنية”. فعلى سبيل المثال، أشار إلى جهاز الطرد المركزي الإيراني أي.آر-6 لتخصيب اليورانيوم باعتباره “ربما أكثر أجهزة الطرد المركزي تقدما في العالم”، في حين أنه ليس حتى الأكثر تقدما في إيران. وقالت “لا يحتاج ويتكوف إلى أن يكون خبيرا نوويا للتفاوض على اتفاق جيد. لكن إذا لم يكن كذلك، فيجب أن يحيط به أشخاص على معرفة”.
كما واجه أكبر مبعوثين لترامب تدقيقا من قبل الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي بشأن تضارب المصالح المحتمل، كوشنر بسبب مزاعم بتفاوضه على اتفاقات سلام مع دول تربطه بها صفقات تجارية بمليارات الدولارات، وويتكوف بسبب دور عائلته في شركة ترامب للعملات المشفرة التي تسعى إلى التوسع في الشرق الأوسط. وقد نفى كلاهما وجود أي تضارب في المصالح.
ووصفت المسؤولة في البيت الأبيض هذه الادعاءات بأنها “رواية مملة” يروج لها الديمقراطيون، وقالت إن كلا الرجلين “فهم تماما” مقترحات إيران خلال المفاوضات.
وما يربو على 90 بالمئة من السفراء الذين عينهم ترامب في هذه الولاية من الموالين السياسيين، وليسوا دبلوماسيين محترفين، ويتمتعون بسلطة غير عادية بسبب صلاتهم المفترضة بدائرة الرئيس المقربة. وتذكر مسؤولان أوروبيان كيف أكد والد كوشنر، تشارلز، سفير الولايات المتحدة لدى فرنسا، قربه من السلطة من خلال الاتصال بجاريد مباشرة أمام نظرائه الأجانب في اجتماع عقد العام الماضي.
ورفضت السفارة الأمريكية في باريس التعليق.
وعين ترامب سفيرا في بكين وهو شخص آخر من الموالين، وهو دافيد بيردو السناتور السابق عن ولاية جورجيا ورجل الأعمال، وقد ردد ادعاءات ترامب الكاذبة بأن انتخابات عام 2020 تم تزويرها. وقال ثلاثة مسؤولين في الحكومة الأمريكية يركزون على الشؤون الصينية إن بيردو اتصل بترامب مباشرة لوضع القرارات ومعالجة القضايا الدبلوماسية العالقة، في حين تم استبعاد حتى كبار الدبلوماسيين الأمريكيين من دائرة اتخاذ القرار. وقالوا إنه عند التخطيط للزيارات رفيعة المستوى، غالبا ما كان موظفو السفارة ينتظرون حتى يتصل بيردو بترامب قبل الالتزام بالترتيبات النهائية، وهو ما يمثل خروجا عن المعتاد مقارنة بالماضي عندما كانت مثل هذه القرارات تُتخذ على مستويات أدنى.
قال فولفجانج إيشينجر، السفير الألماني السابق في واشنطن، إن النهج الأمريكي الحالي يعكس تركيزا هائلا للسلطة على السياسة الخارجية الأمريكية في شخص واحد ألا وهو ترامب. وقال “هذا الشخص يتخذ القرارات، أحيانا بين عشية وضحاها، وأحيانا في اجتماع رسمي، وأحيانا لا. هذا مختلف تماما، ولست متأكدا من أن أسلوب ترامب في اتخاذ القرارات يوفر فعلا ضمانة لاتخاذ قرارات جيدة”.
تسعى بعض الدول إلى إيجاد طرق غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض.
وفي أبريل نيسان 2025، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية 25 بالمئة على كوريا الجنوبية، مما هدد اقتصادها القائم على الصادرات. وفي المحادثات التجارية اللاحقة، كان المسؤولون الكوريون الجنوبيون يكافحون لتحديد ما إذا كان نظراؤهم الأمريكيون ينقلون موقف ترامب بدقة، حسبما قال كانج هون-سيك، رئيس ديوان الرئاسة، في بودكاست كوري جنوبي. وبدلا من ذلك، تكيف المسؤولون الكوريون الجنوبيون من خلال التواصل المباشر مع ويلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض. كان هذا الترتيب غير معتاد. فكانج ليس النظير الكوري المعتاد الذي يتعامل مع الولايات المتحدة في شؤون السياسة الخارجية أو الأمن أو التجارة، وويلز ليست مفاوضة تجارية.
ولم يرد مكتب الرئيس الكوري الجنوبي ووزارة الخارجية على طلب للتعليق.
لجأت اليابان إلى مؤسس سوفت بنك وصديق ترامب في لعبة الجولف، ماسايوشي سون.
قال شيجيرو إيشيبا، الذي شغل منصب رئيس الوزراء حتى أكتوبر تشرين الأول 2025، لرويترز إنه أثناء توليه المنصب، استخدمت اليابان قطب التكنولوجيا كقناة خلفية للوصول إلى ترامب، وهي المرة الأولى التي يتم فيها الاعتراف علنا بدور سون. وقال إيشيبا إن سون كان يتصرف إلى حد كبير لمصلحة أعماله الخاصة، لكنه أكد أن حكومته نقلت رسائل إلى ترامب عبر سون.
وقال إيشيبا إن التواصل المباشر مع ترامب كان أمرا حيويا لأن “الأشخاص المحيطين به جميعهم من المتملقين”.
ورفض سوفت بنك وسون التعليق. ونفت وزارة الخارجية اليابانية استخدام سون كقناة خلفية، لكنها رفضت التعليق على ما إذا كان إيشيبا قد فعل ذلك.
وقال بيجوت المتحدث باسم وزارة الخارجية إنه “يرفض الفرضية القائلة بأن القرارات الرئيسية اتُخذت دون مساهمة ذات مغزى من قبل محترفين ذوي خبرة”. ووصف استخدام ترامب للمبعوثين والخطوط المباشرة إلى البيت الأبيض من قبل بعض الدول بأنه فعال. وقال “المشاركة المباشرة المستمرة من أعلى مستويات هذه الإدارة في جميع أنحاء العالم ميزة”، مضيفا أن “أي شخص يدعي عكس ذلك لا يعرف ما الذي يتحدث عنه”.
العالم يغير طريقته
لقد قلب ترامب المعايير الدبلوماسية رأسا على عقب بسلسلة متواصلة من التهديدات، الموجهة إلى أعداء مثل إيران وحلفاء بما في ذلك الدنمرك وكندا وحلف شمال الأطلسي. واضطرت الحكومات إلى تقييم ما إذا كان الرد علنا سيهدئ التوترات أم يزيدها سوءا.
وهذا ما حدث في أوائل أبريل نيسان بعد أن حذر ترامب من أن حضارة إيران قد تفنى. صاغ مسؤولون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما وصفه دبلوماسي أوروبي بأنه بيان مشترك “قاس”، ثم قرروا عدم إصداره.
وقال الدبلوماسي، الذي ساعد في صياغة البيان “اعتقدنا في النهاية أنه كلما نبح هكذا، لا يعض”. اعتقد المسؤولون الأوروبيون أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال ممكنا، وخشوا أن يؤدي التوبيخ العلني إلى دفع ترامب إلى مواصلة القصف. فامتنعوا عن الرد. وبحلول نهاية اليوم، أعلن ترامب وقف إطلاق النار.
عززت هذه الواقعة درسا للعديد من حلفاء الولايات المتحدة ألا وهو أن الصمت قد يكون الرد الأكثر أمانا على تهديدات ترامب الأكثر تطرفا.
ويطلق بعض الدبلوماسيين الأوروبيين على هذه “طريقة ميركل”، في إشارة إلى رد الفعل الهادئ الذي أبدته المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل خلال ولاية ترامب الأولى: استيعاب الاستفزازات دون رد فعل علني مع الدفاع بحزم عن المصالح الوطنية.
وانتقد عدد من الحلفاء، بما في ذلك أستراليا ونيوزيلندا، تصريحات ترامب بشأن إيران. لكن البعض الآخر، بما في ذلك اليابان، التزم الصمت.
قال تاكيشي إيوايا، النائب في الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان والذي شغل منصب وزير الخارجية حتى أكتوبر تشرين الأول 2025 “كانت تصريحات الرئيس ترامب تتغير باستمرار، لذا توقفنا بمرور الوقت عن الرد على كل تصريح منها. فالرد قد يؤدي فقط إلى إثارة ردود فعل غير ضرورية”.



