كيف يوظف الأردن الذكاء الاصطناعي في تطوير الزراعة وتحسين إدارة المياه؟

حين يواجه فراس العجارمة مشكلة في محاصيل مزرعته، لم يعد يلجأ أولا إلى سؤال المزارعين من حوله أو البحث المطول عن المبيد المناسب، فهاتفه المحمول بات يوفر له الإجابة، في واحدة من صور التحول الرقمي في قطاع الزراعة بالأردن مع توظيف الذكاء الاصطناعي في تشخيص الآفات وإدارة المياه والتنبؤ بالإنتاج.

يشهد القطاع الزراعي الأردني توجها متناميا نحو استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لتحسين كفاءة استخدام الموارد ومواجهة تحديات تغير المناخ، من خلال تطبيقات وأجهزة تكنولوجية محلية تساعد في الكشف المبكر عن مشكلات المحاصيل واتخاذ قرارات زراعية أكثر دقة.
ومن بين هذه الأدوات تطبيقات لتشخيص الآفات الزراعية وأجهزة ترصد إصابات سوسة النخيل من خلال تحليل الأصوات والاهتزازات داخل الأشجار.
ويثنى العجارمة (48 عاما)، وهو مزارع من غور الأردن، على تطبيق (دليل مبيدات الأردن) الذي أطلقته وزارة الزراعة، قائلا إنه يساعده في اختيار المبيد الحشري المناسب للمشكلة التي تواجه محاصيل مزرعته من الفواكه الصيفية وطريقة استخدامه.

وقال العجارمة لرويترز “من قبل كنا نحتار أي مبيد، الآن التطبيق يعطينا المعلومة بسرعة ويساعدنا نختار المادة المناسبة للمحصول والآفة، وهذا انعكس على الإنتاج وجودته”.
وتشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2024 إلى أن مساحة الأراضي المزروعة في الأردن تبلغ نحو 2.16 مليون دونم، موزعة بين نحو 941.8 ألف دونم للمحاصيل الحقلية، و847.7 ألف دونم للأشجار المثمرة، و370.6 ألف دونم للخضراوات. والدونم وحدة قياس لمساحة الأراضي تعادل نحو 1000 متر مربع.
من الاستجابة للمشكلات إلى التنبؤ بها
قالت رئيس قسم بحوث أمراض النبات في المركز الوطني للبحوث الزراعية غيداء جبارة، إن التقنيات الحديثة في القطاع الزراعي بدأت تجد طريقها تدريجيا إلى المزارع، مدفوعة بالحاجة إلى “ترشيد استخدام المياه، ومواجهة آثار تغير المناخ، ورفع الإنتاجية وتحسين كفاءة استخدام الموارد”.
وأضافت لرويترز أن المركز يعمل على اختبار وتطوير ونقل تطبيقات الزراعة الذكية إلى المزارعين، من خلال تقنيات تشمل الري الذكي، وأجهزة الاستشعار، والاستشعار عن بعد، والطائرات المسيرة، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي.

وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي يتيح جمع البيانات وتحليلها بصورة مستمرة لرصد مؤشرات المشكلات قبل تفاقمها، عبر دمج صور النباتات مع بيانات الطقس والرطوبة ودرجات الحرارة وصور الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة لتحديد مناطق الإجهاد أو التغير غير الطبيعي في المحاصيل.
وأضافت أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلا عن الخبير الزراعي “وإنما هو أداة للإنذار المبكر وتحديد المناطق التي تحتاج إلى فحص ميداني قبل اتخاذ القرارات”.
وبوسع النماذج الذكية تحليل كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بالأصناف الزراعية ومواعيد الزراعة والطقس والتربة والري والتسميد والآفات والأمراض والإنتاج، بما يسمح بتقدير الإنتاج المتوقع أو محاكاة أثر تغير كميات المياه أو مواعيد الزراعة أو الظروف المناخية على المحصول.

الحلول الذكية لمواجهة نقص المياه
وقالت جبارة إن ترشيد مياه الري يعد من أكثر المجالات التي ظهرت فيها نتائج ملموسة للاستعانة بالذكاء الاصطناعي، موضحة أن المركز يعمل على الانتقال من الري وفق جداول ثابتة إلى الري المبني على الاحتياج الفعلي للنبات “فأجهزة الاستشعار تساعد في قياس رطوبة وملوحة وحرارة التربة، إضافة إلى أجهزة قياس تدفق العصارة النباتية داخل الأشجار، بما يساعد على تحديد كمية المياه التي يستهلكها النبات فعليا”.
وتعتمد الزراعة في الأردن على مزيج من مصادر المياه، في ظل محدودية الموارد المائية، إذ تشير الإحصاءات إلى أن المياه الجوفية شكلت نحو 39 بالمئة من مياه الري عام 2021، مقابل 30 بالمئة للمياه السطحية و31 بالمئة للمياه المعالجة.
وذكرت جبارة أن تطبيق مثل (وافر) لإدارة وجدولة الري يعتمد على بيانات المحصول وموقع المزرعة وتاريخ الزراعة، وأن الهدف النهائي هو الانتقال تدريجيا من الزراعة التي تستجيب للمشكلة بعد حدوثها إلى زراعة تستطيع التنبؤ بالمشكلة “وتحويل البيانات إلى قرارات”.

تطبيقات أردنية
من أبرز الأمثلة على التطبيقات الرقمية المستخدمة في قطاع الزراعة الأردني، تطبيق (مع المزارع) الذي أطلقه المركز الوطني للبحوث الزراعية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، لتوفير المعلومات والإرشادات الزراعية للمزارعين عبر الهواتف المحمولة.
وهناك أيضا (دليل مبيدات الأردن) الذي أطلقته وزارة الزراعة لمساعدة المزارعين في التعرف على المبيدات المعتمدة وطرق استخدامها، وتطبيق (الإدارة المالية للمزرعة)، الذي يساعد في تنظيم تكاليف الإنتاج وإدارة الموارد المالية بكفاءة.
وقالت شهد الخطيب، الحاصلة على ماجستير في الذكاء الاصطناعي من جامعة اليرموك، وإحدى المبتكرات في مركز البحوث الزراعية، إنها أطلقت مشروعا لتوظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع الزراعي، مستندة على رسالة الماجستير التي أنجزتها عام 2022 حول إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال الزراعي.
وأضافت أن المشروع تطور لاحقا إلى شركة ناشئة تحمل أسم (عالم النباتات)، وتعمل حاليا على تطوير تطبيق للهواتف المحمولة يستخدم الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن الآفات والأمراض الزراعية.
وقالت “الفكرة ببساطة هي أن يستطيع المزارع استخدام تطبيق على هاتفه المحمول لمساعدته في معرفة المرض أو الآفة التي ربما تصيب المحصول بشكل مبكر، عوضا عن انتظار تفاقم المشكلة وإضرارها بالإنتاج”.
وأوضحت أن المشروع يتضمن أيضا موقعا إلكترونيا يضم أكثر من 500 مقال حول الآفات الزراعية وطرق علاجها، مع التركيز على المحاصيل الرئيسية والاقتصادية في الأردن، مثل الليمون والخيار والبندورة والعنب والزيتون وغيرها من المحاصيل.

وفي مثال آخر على هذه الجهود، طور أشرف العمايرة (43 عاما) أحد المبتكرين في مركز البحوث الزراعية، جهازا إلكترونيا للكشف المبكر عن سوسة النخيل، موضحا أن “الجهاز يأخذ الأصوات والاهتزازات من داخل النخلة، ويحاول يتعرف على صوت اليرقة أثناء تغذيتها داخل ساق النخلة، وبناء عليه يعطي نتيجة إذا كانت النخلة مصابة أو غير مصابة”.
وأضاف العمايرة لرويترز أن “الجهاز يعتمد على الذكاء الاصطناعي الذي جرى تدريبه على الأصوات والاهتزازات الخاصة باليرقة لتحليل الأصوات داخل النخلة وتحديد الإصابة”.
وقالت جبارة إن التحدي الرئيسي لا يكمن في تطوير التقنيات فحسب بل في تحويلها من نماذج وتجارب ناجحة إلى خدمات واسعة الانتشار يستطيع المزارع تحمل تكلفتها والاستفادة منها.



