أديداس وبوما.. القصة الكاملة لمليارات الإخوة الأعداء

أيمن عودة
ها قد عاد الأوغاد مرة أخرى.. جملة وُلدت وسط أهوال الحرب، لكنها بفعل سوء فهم تحولت إلى الشرارة التي أشعلت واحدة من أشهر المنافسات في تاريخ الأعمال، وأدت إلى ولادة عملاقي الرياضة: أديداس وبوما.
تاريخ بداية مصنع الأخوين دايسلر لصناعة الأحذية الرياضية
الصورة التالية هي صورة تجمع تجمع المؤسسين، يظهر على اليمين رودولف دايسلر، مؤسس “بوما”، وعلى اليسار أدولف دايسلر، مؤسس “أديداس”.

قد يبدو الأمر عاديًا للوهلة الأولى، لكن الحقيقة أن الرجلين شقيقان جمعتهما شراكة في البداية، ثم فرّقتهما خصومة استمرت لعقود، وأسفرت بشكل غير مباشر عن تأسيس اثنتين من أكبر العلامات التجارية الرياضية في العالم.
أديداس وبوما.. من ورشة متواضعة إلى حلم صناعي
تعود القصة إلى الأب، هِر دايسلر، صانع الأحذية البسيط في إحدى المدن الألمانية مطلع القرن العشرين. بدأ بمحل صغير لإصلاح الأحذية، ثم تحوّل تدريجيًا إلى ورشة إنتاج. ومع الوقت، انضم ابناه رودولف وأدولف إلى العمل، واكتسبا أسرار المهنة.
بعد وفاة الأب، واصل الشقيقان تطوير المشروع تحت اسم “مصنع الأخوين دايسلر”، ونجحا في توسيع النشاط بسرعة، مستفيدين من فهمهما العميق للسوق وجودة المنتج.

تأثير أولمبياد 1936 على شهرة أحذية أديداس وبوما عالميا
في دورة الألعاب الأولمبية 1936، أدرك الشقيقان فرصة استثنائية: تطوير حذاء رياضي خفيف يخدم العدّائين.
وبالفعل، ارتدى العداء الأمريكي جيسي أوينز أحذيتهما، وحقق أربع ميداليات ذهبية.
هذا الإنجاز لم يكن مجرد انتصار رياضي، بل نقطة انطلاق تجارية هائلة؛ إذ ارتفعت مبيعات المصنع إلى أكثر من 200 ألف زوج أحذية بين عامي 1936 و1939، وأصبح الاسم معروفًا في أوروبا.
سبب الخلاف الحقيقي بين مؤسسي أديداس وبوما
رغم النجاح، بدأت الخلافات تتسلل بين الأخوين، وتحولت تدريجيًا إلى نزاعات حادة، انتهت بقرار الانفصال وتقسيم المصنع. ومع تصاعد التوتر، أصبحت المصالحة شبه مستحيلة.
ثم جاءت الحرب لتزيد الأمور تعقيدًا.
قصة سوء الفهم الذي تسبب في انفصال أديداس وبوما للأبد
خلال الحرب العالمية الثانية، توقفت الأعمال تقريبًا، وانشغل الجميع بالبقاء على قيد الحياة. ومع اقتراب قوات الحلفاء من ألمانيا، لجأ الشقيقان إلى الملاجئ.
في لحظة إنسانية نادرة، حاول رودولف إنهاء الخلاف والتصالح مع شقيقه، فتوجه إلى ملجأ أدولف. لكن في تلك اللحظة، سقطت قنبلة قريبة، فصرخ أدولف: “ها قد عاد الأوغاد مرة أخرى!”—قاصدًا الحلفاء.
غير أن رودولف، الذي كان يقف عند الباب، ظن أن العبارة موجهة إليه. شعر بالإهانة، وغادر فورًا. ومن هنا، تحولت القطيعة إلى عداوة دائمة.

تاريخ تأسيس شركة أديداس وشركة بوما كعلامات تجارية منفصلة
بعد انتهاء الحرب، تم تفكيك الشراكة رسميًا.
أسس رودولف شركته الخاصة، التي بدأت باسم “رودا” قبل أن تتحول إلى “بوما”.
أما أدولف، فأسس شركته “أديداس”، التي اشتُق اسمها من لقبه واسم عائلته.
ومنذ ذلك الحين، بدأت واحدة من أعنف المنافسات في تاريخ الصناعة الرياضية، حيث سعى كل طرف للهيمنة على السوق الألماني ثم العالمي.
أرقام وأرباح: كيف تحولت العداوة إلى مليارات؟
في عام 2025، أصبحت الشركتان من عمالقة الصناعة عالميًا:
أديداس
إيرادات تُقدّر بنحو 21–22 مليار يورو سنويًا
صافي أرباح يقارب 800 مليون إلى مليار يورو
حضور عالمي في أكثر من 160 دولة
بوما
إيرادات تقارب 8.5–9 مليارات يورو سنويًا
صافي أرباح يتراوح بين 300 إلى 400 مليون يورو
نمو ملحوظ في أسواق آسيا وأمريكا
هذه الأرقام تعكس كيف تحولت قصة عائلية متوترة إلى إمبراطوريتين اقتصاديتين تتنافسان على مليارات الدولارات سنويًا.

ماذا نتعلم من قصة بوما وأديداس؟
قصة الأخوين دايسلر ليست مجرد حكاية عائلية، بل درس عميق في عالم الأعمال:
أحيانًا، لا تأتي أعظم الإنجازات من التوافق، بل من الصراع.
فمن سوء فهم في ملجأ خلال الحرب، وُلدت منافسة صنعت تاريخًا، ورسّخت علامتين تجاريتين تُهيمنان حتى اليوم على سوق الرياضة العالمي.
إنها قصة تثبت أن الأزمات حتى أكثرها قسوة قد تكون بداية لنجاحات لا تُقدّر بثمن.



