التحفيل الرياضي عبر منصات التواصل بين المتعة وحدود القانون

محمد الشويخ
مع نهاية كل مباراة كبرى، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بموجات من التفاعل الجماهيري، تتنوع بين التحليل، والاحتفال، والسخرية، فيما يُعرف بـ”التحفيل الرياضي”. ورغم أن هذه الظاهرة تُعد جزءًا من ثقافة التشجيع الكروي الحديثة، فإنها تحمل في طياتها مخاطر قانونية قد لا يدركها كثير من المستخدمين، خاصة عندما تتجاوز حدود المزاح إلى الإهانة أو التشهير.
وفي ظل الانتشار الواسع لاستخدام الإنترنت، باتت هذه الممارسات خاضعة لأطر قانونية صارمة، تنظمها قوانين مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إلى جانب مواد من قانون العقوبات وقانون الرياضة، ما يجعل من الضروري التوعية بالخط الفاصل بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية.
التحفيل الرياضي يتحول إلى فخ قانوني عبر السب والقذف
يبدأ الخطر الحقيقي عندما يتحول التحفيل الرياضي من سخرية خفيفة إلى هجوم شخصي، يتضمن سبًا أو قذفًا بحق لاعبين أو حكام أو حتى جماهير الفرق المنافسة. في هذه الحالة، يدخل المستخدم في دائرة المساءلة القانونية، حيث تنص المادة 26 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على عقوبات تصل إلى الحبس لمدة لا تقل عن سنة، وغرامة قد تصل إلى 300 ألف جنيه.

ويؤكد خبراء القانون أن نشر تعليقات تتضمن إهانات مباشرة أو التشهير بأشخاص، حتى وإن كانت في سياق رياضي، يُعد جريمة مكتملة الأركان. كما أن المادة 25 من نفس القانون تعاقب على انتهاك القيم الأسرية أو نشر محتوى يمس الحياة الخاصة، بعقوبات تبدأ من 6 أشهر حبس وغرامات مالية.
الأهلي يحسم القمة ال132 بثلاثية نظيفة على نادي الزمالك
ولا تتوقف المسؤولية عند كاتب المنشور فقط، بل قد تمتد إلى مديري الصفحات أو المجموعات الإلكترونية، في حال ثبت علمهم بالمحتوى المسيء وعدم اتخاذهم إجراءات لمنعه، ما يضاعف من خطورة الموقف.
التحفيل الرياضي والتنمر الإلكتروني تحت طائلة العقوبات
جانب آخر لا يقل خطورة في التحفيل الرياضي هو التنمر الإلكتروني، الذي يظهر في صورة سخرية من مظهر اللاعبين أو أصولهم أو طريقة حديثهم. هذه الأفعال، التي قد يراها البعض “مزاحًا”، تُصنف قانونيًا كجريمة، وفقًا للمادة 309 مكرر (ب) من قانون العقوبات المصري.
وتنص هذه المادة على معاقبة مرتكب التنمر بالحبس لمدة لا تقل عن 6 أشهر، وغرامة تصل إلى 30 ألف جنيه، مع تشديد العقوبة في حال ارتكاب الجريمة من قبل أكثر من شخص، كما يحدث في حالات “التحفيل الجماعي”.
ويُعد هذا النوع من السلوكيات من أخطر مظاهر التحفيل، نظرًا لتأثيره النفسي على الضحايا، خاصة عندما يتحول إلى حملة منظمة تستهدف شخصًا بعينه. كما أن انتشاره السريع عبر المنصات الرقمية يزيد من صعوبة احتوائه، ويجعل من الضروري التصدي له قانونيًا.
التحفيل الرياضي يهدد السلم المجتمعي ويخضع للملاحقة
في بعض الحالات، يتجاوز التحفيل الرياضي حدود الأفراد ليصل إلى إثارة التعصب بين الجماهير، من خلال منشورات تحريضية أو محتوى يدعو للكراهية. وهنا يتدخل قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017، الذي يفرض عقوبات صارمة على كل من يحرّض على الشغب أو العنف.
وتنص المادة 92 من هذا القانون على الحبس والغرامة التي تتراوح بين 50 ألفًا و100 ألف جنيه، لكل من يثبت تورطه في نشر محتوى يثير الفتنة أو يدعو للعنف بين الجماهير، سواء في الواقع أو عبر الإنترنت.
ولا يقتصر الأمر على النصوص القانونية فقط، بل تمتلك الأجهزة الأمنية أدوات تقنية متطورة لتتبع الحسابات الإلكترونية، حتى وإن كانت بأسماء وهمية. ويُعد توثيق المخالفة عبر “سكرين شوت” دليلًا كافيًا لبدء التحقيق، حيث تقوم الجهات المختصة بتحليل البيانات وتحديد هوية المستخدم بدقة.
وفي هذا السياق، تميز المحاكم المصرية بين النقد الرياضي المشروع، الذي يركز على الأداء الفني، وبين الإساءة الشخصية التي تمس الكرامة أو السمعة. فبينما يُعد انتقاد خطة المدرب أو أداء اللاعب حقًا مكفولًا، فإن التعرض للحياة الخاصة أو توجيه إهانات مباشرة يُعد جريمة لا تسقط حتى بعد حذف المنشور.
في النهاية، يظل التحفيل الرياضي سلوكًا شائعًا يعكس شغف الجماهير بكرة القدم، لكنه يتطلب وعيًا قانونيًا يحمي المستخدم من الوقوع في فخ المساءلة. فالمساحة بين المزاح والجريمة قد تكون أضيق مما يُتخيل، والالتزام بالاحترام يظل الضمان الحقيقي للاستمتاع بكرة القدم دون تبعات قانونية.



