فرنسا ترفض خطة واشنطن (مشروع الحرية) بالخليج

في موقف لافت يعكس تباينًا متصاعدًا بين ضفتي الأطلسي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفض بلاده المشاركة في العملية التي طرحتها واشنطن تحت مسمى “مشروع الحرية”، والتي تهدف إلى انتزاع السفن العالقة في مضيق هرمز باستخدام القوة العسكرية. القرار الفرنسي لم يأتِ في صيغة دبلوماسية تقليدية، بل حمل نبرة نقدية واضحة تجاه طبيعة التحرك الأمريكي، ما يعكس عمق الخلاف حول إدارة هذا الملف الحساس.
وجاء إعلان الموقف الفرنسي خلال مشاركة ماكرون في قمة قمة المجتمع السياسي الأوروبي التي استضافتها العاصمة الأرمينية يريفان، حيث تحولت الأزمة في الخليج إلى محور رئيسي للنقاشات السياسية والأمنية.
فرنسا وواشنطن.. خلاف استراتيجي حول أمن الملاحة
خلال كلمته في القمة، شدد ماكرون على أن بلاده لن تنخرط في عمليات عسكرية تفتقر إلى الوضوح الاستراتيجي، قائلاً: “لن نشارك في شيء غير واضح”، في رسالة مباشرة إلى صناع القرار في واشنطن. هذا التصريح يعكس مخاوف باريس من أن يؤدي التحرك العسكري إلى تصعيد غير محسوب في منطقة شديدة الحساسية.

وترى فرنسا أن أمن الملاحة في مضيق هرمز لا يمكن ضمانه عبر خطوات أحادية الجانب، بل يتطلب توافقًا دوليًا ورؤية شاملة تأخذ في الاعتبار تعقيدات المشهد الإقليمي. هذا التباين في الرؤية يعكس اختلافًا أعمق في مقاربة إدارة الأزمات، حيث تميل واشنطن إلى الحسم العسكري، بينما تفضل باريس أدوات الدبلوماسية والتفاوض.
فرنسا وواشنطن بين الخيار العسكري والحل الدبلوماسي
بدلًا من الانخراط في العملية العسكرية المقترحة، دعا ماكرون إلى إعادة فتح مضيق هرمز من خلال التنسيق المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرًا أن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة.
وأكد الرئيس الفرنسي أن الحلول الدبلوماسية تمثل الضمانة الحقيقية لأمن الملاحة الدولية، بعيدًا عن منطق القوة الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية. كما أشار إلى أن أي تحرك غير محسوب قد يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، ويزيد من تعقيد الأوضاع الأمنية في الخليج.
هذا الطرح يعكس تمسك فرنسا بنهج متعدد الأطراف، يسعى إلى إشراك جميع الأطراف المعنية في عملية تفاوضية شاملة، بدلًا من فرض حلول بالقوة.
فرنسا وواشنطن تربطان أزمة الخليج بملفات المنطقة
لم يقتصر حديث ماكرون على مضيق هرمز، بل وسّع دائرة النقاش لتشمل ملفات إقليمية أخرى، مؤكدًا أن تحقيق الاستقرار في المنطقة يتطلب معالجة متكاملة للأزمات. وفي هذا السياق، شدد على أهمية التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، معتبرًا أن ذلك يشكل عنصرًا أساسيًا في تهدئة التوترات الإقليمية.
وأشار إلى أن استمرار النزاعات في المنطقة يخلق بيئة خصبة للتصعيد، ما يجعل من الضروري تبني مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمات، وليس فقط مظاهرها. هذا الربط بين الملفات يعكس رؤية فرنسية تعتبر أن أمن الخليج لا ينفصل عن استقرار الشرق الأوسط ككل.
فرنسا وواشنطن.. تباعد أوروبي عن التصعيد الأمريكي
يرى محللون أن الموقف الفرنسي يمثل ضربة دبلوماسية لجهود دونالد ترامب في حشد حلفاء حلف شمال الأطلسي خلف المشروع الأمريكي. كما يعكس رغبة أوروبية، تقودها فرنسا، في الحفاظ على مسافة آمنة من أي مواجهة مباشرة مع طهران.
ويشير هذا التطور إلى أن أوروبا تسعى لتجنب الانجرار إلى صراعات قد تكون كلفتها مرتفعة سياسيًا واقتصاديًا، خاصة في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها. كما يعكس حرص باريس على لعب دور الوسيط الدولي، بدلًا من أن تكون طرفًا في نزاع قد يخرج عن السيطرة.
في المحصلة، يكشف الموقف الفرنسي عن تحول في موازين العلاقات عبر الأطلسي، حيث لم تعد واشنطن قادرة على حشد الدعم الأوروبي بسهولة كما في السابق، في وقت تسعى فيه فرنسا إلى ترسيخ نهج مستقل يوازن بين المصالح الاستراتيجية ومتطلبات الاستقرار الدولي.



